ذكر الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) اعتراضًا على استدلال الإمام مالك بحديث: «إِنَّ المدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا، كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ»: " ... سلمنا صحة متنه؛ لكن لِمَ لا يجوزُ أن يكون ذلك محمولاً على من خرج منها لكراهية المقام بها؟ مع أن في المقام بها بركة عظيمة؛ بسبب جوار الرسول وجوار مسجده ﷺ ومع ما ورد من الثناء الكثير على المقيمين بها؛ لأن الكاره للمقام بها مع هذه الأحوال لا بد وأن يكون ضعيف الدين، ومن كان كذلك فهو خبث" (١).
فأجاب على هذا الاعتراض بقوله: "قوله: (نحمله على من كره المقام بالمدينة).
قلنا: تقييد المطلق خلاف الأصل، ولو جاز ذلك لجاز في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وفي قوله ﵊: «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَأ» (٢)
حمله على بعض الصور، ولما كان جواب الجمهور أن تخصيص العام وتقييد المطلق خلاف الأصل، وأنه لا يجوز القول به من غير ضرورة؛ فكذا ها هنا" (٣).