ورَحَل المأمُونُ يُريدُ بَلَدَ الرُّوم، فغَيَّرُوا زِيَّهُم، وحَلَقُوا شُعُورَهُم، وتَرَكُوا لُبْس الأقبية، وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ منهم ولَبِسُوا زَنَانِير، وأَسْلَمَ منهم طَائِفَةٌ، وبَقِي منهم شِرْذِمَةٌ بحَالِهم وجَعَلُوا يَحْتَالُونَ ويَضْطَرِبُونَ، حتى انتدب لهم شَيْخٌ مِن أَهْلِ حَرَّان فَقِيهٌ، فقال لهم: قد وَجَدْتُ لكم شَيْئًا تَنْجُون به وتَسْلَمُون من القَتْل، فحَمَلُوا إليه مالًا عَظِيمًا من بَيْتِ مَالٍ لهم؛ أحْدَثُوه مُنْذُ أيَّام الرَّشِيد إلى هذه الغَايَة، أعَدُّوه للنَّوَائِب، وأَنا أَشْرَحُ لَكَ أَيَّدَكَ الله السَّبَبَ في ذلك، فقال لهم: إِذَا رَجَعَ المأمُونُ من سَفَره، فقُولُوا له نحن الصَّابِئُون، فهذا اسْمُ دِينٍ قد ذَكَرُه الله - جَلَّ اسْمُهُ - في القُرْآن (¬١)، فانْتَحِلُوه فأَنْتُم تَنْجُون به.
وقُضِيَ أَنَّ المأمُونَ تُوفِّي في سَفْرَتِه تلك بالبَذَنْدُون (¬٢)، وانْتَحَلُوا هذا الاسْم منذ ذلك الوَقت، لأنه لم يكن بحَرَّان ونَوَاحِيها قَوْمٌ يُسَمَّون بالصَّابِئَة. فلمَّا اتَّصَلَ بهم وَفَاةُ المأمُون، ارْتَدَّ أَكْثَرُ من كانَ تَنَصَّرَ منهم، ورَجَعَ إِلى الحَرْنَانِيَّة، وطَوَّلُوا شُعُورَهُم حَسَبَ ما كانُوا عليه قَبْلَ مُرُورِ المأمُون بهم، على أنَّهم صَابِئُون ومَنَعَهُم المُسْلِمُون من لُبْس الأَقْبِيَة، لأنَّه مِنْ لُبْسِ أصْحَابِ السُّلْطان. ومَنْ أَسْلَمَ منهم لم يُمْكِنْه الارْتِدَادُ خَوْفًا من أنْ يُقْتَل (¬٣).