فأَقَامُوا مُتَسَتِّرين بالإسلام، فكانُوا يَتَزَوَّجُون بنِسَاءٍ حَرَّانِيَّات، ويَجْعَلُون الوَلَد الذَّكَر مُسْلِمًا والأنْثَى حَرْنَانِيَّة. وهذه كانت سَبِيلُ كُلِّ أَهْلِ تَرْعُوز وسَلْمَسِين، القَرْيَتَيْن المَشْهُورَتَين العَظِيمَتَيْن بالقُرْبِ من حَرَّان (¬١)، إلى منذ نحو عِشْرين سَنَةٍ، فإِنَّ الشَّيْخَيْن المعروفين بأبي زُرَارَة وأبي عَرُوبَة عُلَمَاء شُيُوخ أَهْلِ حَرَّان بالفِقْه والأمْرِ بالمَعْرُوف، وسَائِر مَشايخ أهْل حَرَّان وفُقَهائِهم، احْتَسَبُوا عليهم، ومَنَعُوهم أنْ يَتَزَوَّجُوا بِنِسَاءٍ حَرَّانِيَّات - أغني صَابِئَات - وقالوا: لا يَحِلّ للمُسْلِمين نِكَاحُهم، لأنَّهم لَيْسُوا من أهْلِ الكِتَاب.
وبحَرَّان أَيْضًا مَنَازِلُ كثيرةٌ إلى هذه الغَايَة، بَعْضُ أَهْلِها حَرْنَانِيَّة ممَّن كان أَقَامَ على دِينِه في أيَّام المأمون، وبَعْضُهم مُسْلِمُون، وبَعْضُهم نَصَارَى ممَّن كان دَخَلَ في الإسلام وتنصَّرَ في ذلك الوَقْت إلى هذه الغَايَة، مِثْل قَوْمٍ يُقَالُ لهم بنو أبْلُوط، وبنو أقنْطَرَانَ وغيرهم، مَشْهُورِين بحَرَّان.