للحنابلة (¬١).
ونوقش بأنه حديث مُطْلَق، قَيَّده فعل النبي ﷺ، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».
القول الثالث: أن الوقوف بعرفة إلى الغروب ركن، فمَن وقف بعرفة بعد الزوال وانصرف قبل الغروب، ولم يَعُد لعرفة بالليل؛ فقد فاته الحج. وهو مذهب المالكية (¬٢).
واستدلوا بالسُّنة والقياس:
أما السُّنة: فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (¬٣).
فدل الحديث على أنه لا يكون وقوف بعرفة إلا بوقوف جزء من الليل، ولو وقف نهارًا لَمَا أجزأه، فمَن دَفَع قبل الغروب فقد فاته الليل بعرفة، وقد فاته الحج وحجه باطل.
ونوقش بأن هذا الحديث لا يصح، وعلى تقدير صحته فمراده بتخصيص الليل أنه آخِر وقت للوقوف، فإذا فات بطلوع الفجر فإن الحج يفوت معه، وليس المراد أنه هو وقت الوقوف دون غيره.
واستدلوا بحديث جابر، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ».
وَجْه الاستدلال: أن النبي ﷺ وقف جزءًا من الليل بعرفة بعد غروب الشمس؛ لأنه ركن. ولأنه لو كان يَجوز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس لفَعَله النبي ﷺ لبيان الجواز، ولخَشية الزحام الذي لا نظير له في سائر المشاعر.
ونوقش بما قاله الجَصَّاص: قَدْ نَقَلَتِ الأُمَّةُ وُقُوفَ النَّبِيِّ ﷺ نَهَارًا، وَأَنَّهُ دَفَعَ مِنْهَا عِنْدَ سُقُوطِ الْفَرْضِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ هُوَ النَّهَارُ، وَوَقْتَ الْغُرُوبِ هُوَ الدَّفْعُ،