بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾) هذا قول أبْرَزه من موسى ﵇ استحياؤه من كثرة المخالفة، وتهديده لنفسه عند معاودتها للاعتراض بالمفارقة.
وقال المفسّر (¬١): هذا شرط، وهو لازم، والمسلمون عند شروطهم، وأحقّ الشروط أن يُوفَى به ما التزمه الأنبياء، والتُزِم للأنبياء (¬٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ كذا قرأ الجمهور؛ أي: تتابعني، وقرأ الاعرج: "تَصْحَبَنّي" بفتح التاء، والباء، وتشديد النون، وقرئ: "تَصْحَبْني"؛ أي: تتبعني، وقرأ يعقوب: "تصحبني" بضم التاء وكسر الحاء، ورواها سهل عن أبي عمرو، قال الكسائي: معناه: فلا تتركني أصحبك (¬٣).
(﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾)؛ أي: قد صرت عندي معذورًا، وقد تقدَّم الفرق بين لدنِّي وعندي، وأن في لدنِّي لغات، وقرئت: (مِنْ لَدْنِي) بضم الدال، وتخفيف النون، وسكون الدال، وإشمامها الضم، وتخفيف النون لأبي بكر عن عاصم، وبضم الدال، وتشديد النون، والأُولى لنافع، والثالثة للباقين، قاله القرطبيّ (¬٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت لغات "لدن" بقولي:
"لَدُنْ" لَهَا مِنَ اللُّغَاتِ مَا يَلِي … لَدُنْ بِفَتْحٍ ثُمَّ ضَمٍّ يَنْجَلِي
لَدْنٌ كَفَلْسٍ لَدِنٌ كَكَتِفِ … لُدْنٌ كَقُفْلٍ وَكَجَيْرِ فَاعْرِفِ
وَلَدْ كَلَمْ وَلُدُ كَمُذْ ثُمَّ لَدَى … مِثْلُ قَفَا كَذَا لُدُنْ قَدْ وَرَدَا
بِضَمَّتَيْنِ وَكَذَا لُدُ احْذِفَا … نُونًا فَتِلْكَ عَشَرَةٌ خُذْ مُنْصِفَا
أَوْرَدَهَا الْمَجْدُ لَدَى كِتَابِهِ … أَعْنِي بِهِ "الْقَامُوسَ" فَلْتُعْنَ بِهِ
وقال القرطبيّ المفسّر: قوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾: هذا يدلّ على قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقًا، وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع، قاله ابن العربي، وقال ابن عطية: ويُشبه أن تكون هذه القصة أيضًا أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام المتلوَّم ثلاثة، فتأمله (¬٥).