(اهْجُهُمْ)؛ أي: المشركين، (فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ) بضمّ أوله، من الإرضاء؛ أي: لم يرضِه ﷺ هجو ابن رواحة حيث لم يبلغ ما أراده من النكاية، (فَأرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكِ) بن أَبِي كَعَب الأنصاريّ السَّلَميّ -بالفتح- الصحابيّ المدنيّ المشهور، وهوأحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا، مات في خلافة عليّ ﵁، تقدّمت ترجمته في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٣/ ١٦٥٩.
(ثُمَّ أَرْسَلَ) ﷺ (إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) ﵁ (فَلَمَّا دَخَلَ) حسّان (عَلَيْهِ) ﷺ (قَالَ حَسَّانُ) ﵁: (قَدْ آنَ)؛ أي: حان وقَرُب (لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ) قال العلماء: المراد بذنَبه هنا لسانه، فشبَّه نفسه بالأسد في انتقامه، وبطشه، إذا اغتاظ، وحينئذ يضرب بذنبه جنبيه، كما فعل حسان بلسانه، حين أدلعه، فجعل يحركه، فشبَّه نفسه بالأسد، ولسانه بذنبه، قاله النوويّ ﵀ (¬١). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "قد آن لكم أن ترسلوا … إلخ" هذا من حسان مَدْح لنفسه، شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب، فحَمِي، وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبيّ ﷺ، واحتدّ لذلك، واستحضر في ذهنه هجو قريش، فتصوّره، وأحس أنه قد أُعينَ على ذلك ببركة دعوة النبيّ ﷺ، فقال تلك الكلمات، مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه، وأنه قد أجيب فيه دعاء النبيّ ﷺ، وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك، وتنزّل هذا الافتخار في هذا الموطن منزلة افتخار الأبطال في حال القتال؛ فإنَّهم يمدحون أنفسهم، ويذكرون مآثرهم، ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا، وذلك يدلّ على ثبوت الجأش، وشجاعة النفس، وقوة العقل، والصَّبر، وإظهار كل ذلك للعدو، وإغلاظ عليهم، وإرهاب لهم، وكل هذا الافتخار: يوصل إلى رضا الغفار، فلا عتب، ولا إنكار. انتهى (¬٢).
(ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ)؛ أي: أخرجه عن الشفتين، وحرّكه، كأنه يُعِدّه لإنشاء الهجو، يقال: دَلَعَ لسانَهُ، وأدلعه، ودَلَعَ اللسانُ بنفسه، قاله النوويّ.
وقال المجد: دَلَعَ لسانَهُ، كمَنَعَ: أخرجه، كأدلعه، فَدَلَع هو، كمَنَعَ،