أي: مما حدّث به في ذلك المجلس، أو في غيره من المجالس.
ثم إنه فكّر في ترك التحديث للناس؛ لكثرة أقاويلهم فيه، لكنه تذكّر آية الوعيد على كتمان العلم، كما بيّنه بقوله:
(وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِه)؛ أي: ذمًّا لكاتم العلم، (مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا) والآيتان قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]).
وقال القرطبيّ ﵀ عند قوله: يقولون: "ما بال المهاجرين والأنصار. . . إلخ" ما نصّه: هذا الإنكار خلاف إنكار عائشة ﵂؛ فإنَّها إنما أنكرت سرد الحديث، وهؤلاء أنكروا على أبي هريرة أن يكون أكثر الصحابة حديثًا، وهذا إنكار استبعادٍ وتعجب، لا إنكار تُهمة، ولا تكذيب؛ لِمَا يُعْلَم مِن حِفظه، وعِلمه، وفضله، ولِمَا يُعْلَم أيضًا من فضلهم، ومعرفتهم بحاله، ولذلك بيَّن لهم الموجِب لكثرة حديثه، وبيَّن أنه شيئان:
أحدهما: أنه لازَم النبيّ ﷺ ما لم يلازموا، فحضر ما لم يحضروا.
والثاني: بركة امتثال ما أرشد إليه رسول الله ﷺ من بَسْط ثوبه، وضمِّه إلى صدره، فكان ذلك سبب حفظه، وعدم نسيانه، فقد حصلت لأبي هريرة ولأمه من بركات رسول الله ﷺ، وخصائص دعواته، ما لم يحصل لغيره، ثم إن أبا هريرة ﵁ لَمّا حَفِظ علمًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ، وتحقق أنه وجب عليه أن يبلّغه غيره، ووجد من يَقبل عنه، ومن له رغبة في ذلك، تفرَّغ لذلك مخافة الفوت، ومعاجلة القواطع، أو الموت، ثم إنه لمّا آلمه الإنكار همَّ بترك ذلك والفرار منه، لكنه خاف من عقوبة الكتمان المنبَّه عليها في القرآن، ولذلك قال: لولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثًا، ثم تلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ﴾ الآيتين. انتهى (¬١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.