(فَسَجَرْتُهَا بِهَا) بسين مهملة، وجيم؛ أي: أوقدته، وأنّث ضمير الكتاب على معنى الصحيفة، وفي رواية ابن مردويه: "فعمدت بها إلى تنّور به، فسجرته بها"، ودلّ صنيع كعب ﵁ هذا على قوّة إيمانه، ومحبته للَّه تعالى، ولرسوله ﷺ، وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض، قد يَضعُف عن تحمّل ذلك، وتَحْمِلُهُ الرغبةُ في الجاه والمال على هجران مَن هَجَره، ولا سيما مع أمْنه من الملِك الذي استدعاه إليه، أنه لا يُكرهه على فراق دينه، لكن لمّا احتَمَل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حَسَم المادّة، وأحرق الكتاب، ومنع الجواب، هذا مع كونه من الشعراء الذين طُبعت نفوسهم على الرغبة، ولا سيما بعد الاستدعاء، والحثّ على الوصول إلى المقصود، من الجاه والمال، ولا سيما والذي استدعاه قريبه، ونسيبه، ومع ذلك فغلب عليه دينه، وقَوِي عنده يقينه، ورجّح ما هو فيه من النكد، والتعذيب على ما دُعي إليه، من الراحة، والنعيم؛ حبًّا في اللَّه تعالى، ورسوله ﷺ، كما قال ﷺ: "وأن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما"، وعند ابن عائذ: "أنه شكا حاله إلى رسول اللَّه ﷺ، وقال: ما زال إعراضك عني، حتى رَغَّب فيّ أهلَ الشرك" (¬١).
قال كعب ﵁: لبثنا على ذلك الهجران (حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر، وهو عطف على "مضت"، أو حال بتقدير "قد". (الْوَحْيُ)؛ أي: في شأنه، وشأن صاحبيه، (إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي) "إذا" الأُولى شرطيّة، وهذه فُجائيّة رابطة لجواب الأُولى، كما قال في "الخلاصة":
وَتَخْلُفُ الْفَاءَ "إِذَا" الْمُفَاجَأَهْ … كَإِنْ تجُدْ إِذَا لَنَا مُكَافَأَهْ
قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم هذا الرسول، ثم وجدت في رواية الواقديّ أنه خزيمة بن ثابت، قال: وهو الرسول إلى هلال، ومرارة بذلك.
(فَقَالَ) ذلك الرسول: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ)؛ أي: تبتعد عن (امْرَأَتَكَ) هي عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصاريةّ، أم أولاده الثلاثة: عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، ومعبد، ويقال: اسم امرأته التي كانت يومئذ