(فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ) بفتح أوله، وضم الحاء المهملة، من الحياطة، وهي المراعاة، وفيه تلميح إلى ما ذكره ابن إسحاق، قال: ثم إن خديجة، وأبا طالب هلكا في عام واحد، قبل الهجرة بثلاث سنين، وكانت خديجة له وزيرةَ صِدْقٍ على الإسلام، يَسْكُن إليها، وكان أبو طالب له عَضُدًا وناصرًا على قومه، فلما هَلَك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لَمْ تَطْمَع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سَفِيهٌ من سُفَهاء قريش، فَنَثَرَ على رأسه ترابًا، فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه، قال: فدخل رسول الله ﷺ بيته يقول: "ما نالتني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب".
(وَيَغْضَبُ لَكَ) يشير به إلى ما كان يَرُدّ به عنه من قول وفعل، فقد قام في نصرته، وذبّ عنه مَن عاداه، ومدحه عِدّة مدائح، منها قوله - لَمّا استَسْقَى أهل مكة، فسقوا -[من الطويل]:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
ومنها قوله من قصيدة [من الطويل]:
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
قال ابن عيينة، عن علي بن زيد: ما سمعت أحسن من هذا البيت.
وقوله [من الكامل]:
وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ … وَلَقَدْ صَدَقْتَ فَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا (¬١)
(قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ) أي نفعته (هُوَ) أي أبو طالب (فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ) - بضادين معجمتين، مفتوحتين، وحاءين مهملتين - هو في الأصل: ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، ثم استُعير هنا للنار، ويُطلق أيضًا على مَا قَرُب من الماء، وهو ضِدّ الْغَمْرة.
والمعنى: أنه خُفِّف عنه العذاب، وقد ذكر في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ الآتي: "فيُجْعَل في ضحضاح من نار، يَبْلُغ كعبيه، يَغْلِي منه دماغه"، ويأتي في حديث ابن عباس ﵄ الآتي: "إن أهون أهل النار عذابًا أبو