أخرج البيهقي وابن سعد عن حَمَّاد، قال: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّد بنُ مَعْبَدِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: "أَنَّ الْبَرَاءَ، كَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَكَانَ أَحَدَ السَّبْعِينَ النُّقَبَاءِ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ رَسُولُ الله ﷺ، فَجَعَلَ يُصَلِّي نَحْوَ الْقِبْلَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَسُولِ الله ﷺ يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ، وَقَالَ: وَجِّهُونِي فِي قَبْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ" (١).
أمّا ما أخرجه الصّنعاني عن الزُّهْرِيِّ، أَنَّ الْبَرَاءَ لمّا حَضَرَهُ المَوْتُ، قَالَ لِأَهْلِهِ: «اسْتَقْبِلُوا بِيَ الْكَعْبَةَ» (٢) فهو مرسل، فالزُّهريّ تابعيّ صغير لم يدرك القصّة.
قلت: وكلّ ما يستدلُّ به على استحباب توجيه المحتضر إلى القبلة لا يخلو من علَّة، ومن ذلك ما جاء في المسند من أنَّ فاطمة ﵂ اسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ في مرضها الّذي ماتت به، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَلِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلْمَى، قَالَتْ: "اشْتَكَتْ فَاطِمَةُ شَكْوَاهَا الَّتِي قُبِضَتْ فِيهَا، فَكُنْتُ أُمَرِّضُهَا، فَأَصْبَحَتْ يَوْمًا كَأَمْثَلِ مَا رَأَيْتُهَا فِي شَكْوَاهَا تِلْكَ، قَالَتْ: وَخَرَجَ عَلِيٌّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَتْ: يَا أُمَّهْ اسْكُبِي لِي غُسْلًا، فَاغْتَسَلَتْ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُهَا تَغْتَسِلُ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ أَعْطِينِي ثِيَابِيَ الْجُدُدَ، فَأَعْطَيْتُهَا فَلَبِسَتْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ قَدِّمِي لِي فِرَاشِي وَسَطَ الْبَيْتِ، فَفَعَلْتُ، وَاضْطَجَعَتْ، وَاسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَتْ يَدَهَا تَحْتَ خَدِّهَا ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ إِنِّي مَقْبُوضَةٌ الْآنَ، وَقَدْ تَطَهَّرْتُ الْآنَ، فَلَا يَكْشِفنِي أَحَدٌ، فَقُبِضَتْ مَكَانَهَا، قَالَتْ: