واستمر النزاع حتى كاد يبدأ القتال بينهم، حتى قام أبو أُمية المخزومي وكان أسنَّ قريش يومئذ ـ فحكم بينهم أنَّ أوّل مَن يدخل من باب بني شيبة ينصبونه حكماً بينهم فوافق أن يكون محمد ﷺ أوَّل الداخلين، فهتفوا: هذا الأمين رضيناه، وقضى بينهم بوضع الحجر على رداء يحمل أطرافه رؤساء القبائل فلما نال الجميع شرف نقله إلى الكعبة رفعه رسولنا محمد ﷺ بيده الشريفة، ووضعه في مكانه من البيت فرضوا جميعاً (١).
المرة الثالثة: حصلت زمن يزيد بن معاوية، يوم غزتها جيوشه بقيادة الحصين بن نمير السكوني، أواخر سنة ست وثلاثين للهجرة، ورمتها بالمنجنيق، وتسببت بهدم أجزاء من البيت واحتراقه فما كان من ابن الزبير بعد أن استشار الناس إلّا أن نقض البيت حتى بلغ به الأرض، ثم باشر في رفعه على قواعد إبراهيم، فأدخل فيه الأذرع الستة التي أخرجت منه من جهة حجر إسماعيل، وزاد في ارتفاعه عشرة أذرع، وجعل له بابين (٢)، مقتفياً أثر السنة الصحيحة التي روتها له خالته السيدة عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الجَدْر (٣)، أمِنَ البيتِ هو؟ قال: نعم، قالت: قلتُ فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: "إنَّ قوْمك قصَّرَت بهم النفقة"، قالت: قلتُ: فما شَأْنُ بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قَوْمُك ليُدْخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أنَّ قَوْمك حديثٌ عهدهم بجاهلية، فأَخاف أنْ تُنْكر قلوبهم أنْ أُدْخلَ الجَدْرَ في البيت، وأَنْ ألصق بابَهُ بالأرض (٤).