كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ البَقَرُ (¬١)
شَيْءٌ كَانَ قَدِيمًا ثُمَّ تَرَكَهُ النَّاسُ.
وَقِيلَ: "إِنَّمَا كَانُوا يَكْرُونَ الصَّحِيحَ لِئَلَّا يَتَعَلَّقَ بِهِ الدَّاءُ، لَا لِيَبْرَأَ السَّقِيمُ" حَكَى ذَلِكَ ابن دُرَيْدٍ (¬٢).
وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَ: "هَذَا لَمْ يَكُنْ وَإِنَّمَا مَثَلٌ لَا حَقِيقَةٌ" (¬٣)، أَيْ: أخَذْتَ البَرِيءَ وَتَرَكْتَ المُذنِبَ، فَكُنْتَ كَمَنْ يَكْوِي البَعِيرَ الصَّحِيحَ وَيَتْرُكَ السَّقِيمَ، لَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يَكُونُ.
قَالَ: وَنَحْوَ هَذَا قَوْلُهُمْ: "يَشْرَبُ عَجْلَانُ وَيَسْكُرُ مَيْسَرَةُ"، وَلَمْ يَكُونَا شَخْصَيْنِ مَوْجُودَيْنَ.
وَقِيلَ: أَصْلُ هَذَا أَنَّ الفَصِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَهُ العُرُ - لِفَسَادٍ فِي لَبَنِ أُمِّهِ - عَمَدُوا إِلَى أُمِّهِ فَكَوَوْهَا فَتَبْرَأُ وَيَبْرَأُ فَصِيلُهَا بِبُرْئِهَا، لأَنَّ ذَلِكَ الدَّاءَ إِنَّمَا كَانَ يَسْرِي إِلَيْهِ مِنْ لَبَنِهَا. وَهَذَا أَقْرَبُ الأَقْوَالِ إِلَى الحَقِيقَةِ.
وَالكَافُ فِي قَوْلِهِ: "كَذِي العُرِّ" تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الحَالِ مِنَ الهَاءِ فِي تَرَكْتَهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَتَرَكْتَهُ مُشْبِهًا ذَا العُرِّ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: تَرَكْتَهُ تَرْكًا، مِثْلَ تَرْكِ ذِي العُرِّ. فَفِي هَذَا الوَجْهِ حَذَفَ مُضَافًا، وَأَقَامَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مُقَامَهُ،