فَمَنْ قَالَ: هَرَقْتُ، الْهَاءَ عِنْدَهُ بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ "أَفْعَلْتُ"، كَمَا قَالُوا: أَرَحْتُ الْمَاشِيَةَ وَهَرَحْتُهَا، وَأَنَرْتُ الثَّوْبَ وَهَنَرْتُهُ.
وَمَنْ قَالَ: "أَهْرَقْتُ" فَالْهَاءُ عِنْدَهُ عِوَضٌ مِنْ ذَهَابِ حَرَكَةِ عَيْنِ الْفِعْلِ وَنَقْلِهَا إِلَى الْيَاءِ، لأنَّ الأَصْلَ: أَرْيَقْتُ وَأَرْوَقْتُ بِالْيَاءِ أَوِ الْوَاوِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ وَالْيَاءِ إِلَى الرَّاءِ، فَانْقَلَبْ حَرْفُ العِلةِ أَلِفًا لانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهُ، ثُمَّ حُذِفَ لِسُكُونِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ.
وَالسَّاقِطُ مِنْ أَرَقْتُ يَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ وَاوًا فَيَكُونُ [مُشْتَقًّا] (¬١) مِنْ رَاقَ الشَّيْءَ يَرُوقُ.
وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ يَاءً، لأَنَّ الْكَسَائيَّ حَكَى: رَاقَ الْمَاءُ، يَرِيقُ: إِذَا انْصَبَّ (¬٢).
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ [الْهَاءَ فِي] (¬٣): "هَرَقْتُ" و "أَهْرَقْتُ" لَيْسَت فَاءَ الْفِعْلِ، عَلَى مَا تَوَهَّمَ مَنْ ظَنَّهَا كَذَلِكَ، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَلَزِمَ أَنْ يَجْرِي [هَرَقْتُ] (¬٤) فِي تَصْرِيفِهِ مَجْرَى ضَرَبْتُ، فَيُقَالُ: هَرَقْتُ، أَهْرِقُ هَرْقًا، كَضَرَبْتُ، أَضْرِبُ ضَرْبًا، أَوْ مَجْرَى غَيْرِهِ مِنَ الأَفْعَالِ [الثَّلَاثِيَّةِ الَّتِي] (¬٥) يَجِيءُ مُضَارِعُهَا بِضَمِّ العَيْنِ، وَتَجِيءُ مَصَادِرُهَا مُخْتَلِفَةً.
وَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَجْرِيَ "أَهْرَقْتُ" فِي تَصْرِيفِهِ مَجْرَى [أَكْرَمْتُ وَنَحْوِهِ] (¬٦) مِنَ الأَفْعَالِ الرُّبَاعِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَيُقَالُ: أَهْرَقْتُ، أَهْرِقُ إهْرَاقًا، كَأَكْرَمْتُ أَكْرَمُ إِكْرَامًا.
وَلَمْ تَفْعَلِ العَرَبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِي تَصْرِيفِ "هَرَقْتُ":