وَصَف تَضَايُقَهَمُ فِي الحَرْبِ وَشِدَّةِ تَلَاصُقِهِمْ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ حَتَّى لَوْ أُلْقِيَ الحَنْظَلُ عَلَى بَيْضَاتِهِمْ لَمَشى عَلَيْهَا وَتَدَحْرَجَ فَوْقَهَا وَلَمْ يَسْقُطُ إِلَى الْأَرْضِ. وَكَانَ النَّاسَ يَعُدُّونَ هَذَا مِنَ الإِغْرَاقِ وَالْمُحَالِ. حَتَّى قَالَ ابْنَ الرُّومِيِّ: (طويل)
فَلَوْ حَصَبَتْهُمْ بِالفَضَاءِ سَحَابَةٌ … لَظَلَّتْ عَلَى هَامَاتِهِمْ تَتَدَحْرَجُ (¬١)
يَقُولُ: لَوْ نَزَلَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بَرْدٌ لَمْ يَسْقُطُ إِلَى الْأَرْضِ فَكَانَ هَذَا أَشْنَعَ فِي الْمُحَالِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فَزَادَ فِي الإِغْرَاقِ وَالْمُحَالِ: (منسرح)
يَمْنَعُهَا أَنْ يُصِيبَهَا مَطَرٌ … شِدَّهُ مَا قَدْ تَضَايَقَ الأَسَلُ (¬٢)
وَمَعْنَى "تَدَحْرَجَ": اسْتَدَارَ. وَ "السَّامُ": عُرُوقُ الذَّهَبِ. وَيَعْنِي بـ "ذِي سَامِهِ": البَيْضَ الْمُذْهَبَ. وَفِي قَوْلِهِ: "عَنْ ذِي سَامِهِ" شُذُوذٌ وَاسْتِكْرَاهٌ، لأَنَّ الهَاءَ الَّتِي فِي "سَامِهِ" تَرْجِعُ إِلَى "البَيْضِ" و "ذو السَّام": هُوَ البَيْضُ نَفْسُهُ. وَهَذَا يَقْتَضِي إِضَافَةَ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَفِيهِ شُذُوذٌ آخَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا ذُكِرَ ثُمَّ احْتِيجَ إِلَى إِعَادَةِ ذِكْرِهِ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ أَنْ يُضْمَرَ وَلَا يُظْهَرَ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ قامَ. وَيَقْبُحَ أَنْ تَقُولَ: زَيْدٌ قامَ زَيْدٌ. فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُضْمِرَ "البَيْضَ" لأنَّ ذِكْرَهَا قَدْ جَرَى. فَيَقُولُ: "تَدَحْرَجَ عَنْهُ" فَأَتَى بِهِ مُظْهَرًا بِغَيْرِ لَفْظِ الأَوَّلِ، فَصَارَ كَقَوْلِكَ: لَقِيتُ زَيْدًا فَضَرَبْتُ ذَا الفَرَسِ، وَأَنْتَ تُرِيدُ: فَضَرَبْتُهُ، ثُمَّ أَضَافَهُ إِلَى الهَاءِ فَصَارَ كَقَوْلِكَ: لَقِيتُ زَيْدًا فَضَرَبْتُ ذَا فَرَسِهِ. وَهَذَا شُذُوذٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي كَلَامِهِمْ فِيمَا عَلِمْنَاهُ، وَهُوَ أَقْبَحُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٍ وَجْهِهِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ القُبْح. وَالْوَجْهُ لِمَنْ رَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنْ يَجْعَلَ الهَاءَ عَائِدَةً عَلَى الرِّجَالِ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ: (طويل)
رِجَالٌ مَتَى يَدْعُوا إِلَى المَوْتِ يُرْقِلُوا … إِلَيْهِ كَإِرْقَالِ الجِمَالِ المَصَاعِبِ (¬٣)