فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَدَحْرَجَ عَنْ ذِي سَام الرِّجَالِ، وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ وَأَفْرَدَهُ عَلَى مَعْنَى الجَمْعِ. وَذُو سَامِ الرِّجَالِ: هُوَ البَيْضُ. فَأَدَّى ذَلِكَ مَا يُؤَدِّيهِ قَوْلُهُ: "عَنْ بَيْضِ الرِّجَالِ". وَلَوْ رُوِيَ: "عَنْ ذِي سَامِنَا" بِالنُّونِ، أَوَ "عَنْ بَيْضِنَا" لَكَانَ أجوَدَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَكْرَهًا.
وَإِنَّمَا أَضَافَ السَّامَ إِلَى الرِّجَالِ وَإِلَى ضَمِيرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ السَّامُ إِنَّمَا هُوَ البَيْضُ، لأَنَّهُمُ الَّذِينَ أَذْهَبُوهُ وَزَيَّنُوهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَنِ البَيْضِ الَّذِي أَذْهَبَهُ الرِّجَالَ أَوْ أَذْهَبْنَاهُ، وَقَدْ يُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى الشَّيْءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُلَابَسَةِ وَالاتِّصَالِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ (¬١)، ولا مَقَامَ الله تَعَالَى وَلَا هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: مَقَامَهُ عِنْدَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ بَيْتُ زُهَيْرٍ: (بسيط)
وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الوَدَاعِ فَأَمْسَى رَهْنُهَا غَلِقَا (¬٢)
و"الرَّهْنُ" لَيْسَ لَهَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى رَهْنُكَ عِنْدَهَا" (¬٣).
"وَجَازَ ذِكْرُ "عَنْ" هَا هُنَا لأَنَّهُ إِذَا قَالَ: "تَدَحْرَجَ عَلَيْهَا" فَالمَعْنَى: انْتَقَلَ عَنْ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ" (¬٤).
وَقَوْلُهُ: لَقِحَتْ حَرْبُ وَائِلٍ (¬٥). (البيت).
"هُوَ لِلْحَارِثِ بن عُبَادٍ (¬٦). وَصَدْرُهُ: (خفيف)
قَرِّبَا مَرْبِطَ النَّعَامَةِ مِنِّي