بالنياحة، أجابت الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه (¬١) من فوقه، فصدى [٢٥/ ب] الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك: وقيل، كان داود، ﵇، إذا تخلل الجبال (¬٢) فسبح الله، جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح، وقوله تعالى:
﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (١٠) (¬٣) حتى كان في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما شاء (¬٤) من غير نار ولا ضرب مطرقة، وكان سبب ذلك: أن داود لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا، وإذا (¬٥) رأى رجلا لا يعرفه تقدم إليه ويسأله (¬٦) عن داود ويقول له: ما تقول في داود وإليكم هذا أي رجل هو؟ فيثنون عليه ويقولون خيرا، فقيض الله له ملكا في صورة آدمي، فلما رآه داود، تقدم إليه على عادته، فسأله (¬٧) فقال الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة واحدة فيه، فراع ذلك داود وقال:
ما هي يا عبد الله؟ قال: إنه يأكل ويطعم عياله (¬٨) من بيت المال، فتنبه لذلك، وسأل الله أن يسبب له شيئا يستغني به عن بيت المال، فيتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله تعالى (¬٩) له الحديد وعلمه صنعة الدروع، وهو أول من اتخذها، ويقال (¬١٠): إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف (¬١١)، فيأكل ويطعم عياله، ويتصدق منها على الفقراء والمساكين، ويقال: إنه كان يعمل في كل يوم درعا يبيعه بستة آلاف درهم فينفق ألفقين منها على نفسه وعياله (¬١٢)، ويتصدق بأربعة آلاف درهم على فقراء بني إسرائيل، قال رسول الله، ﷺ: «كان داود لا يأكل إلا من عمل يده».