قَوْلُهُ: "كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا (فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَخِذَ عِنْدَلْهَمْ يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرَابَتِى" (١٥٥) الْمُلْصَقُ بِالْقَوْم وَالْملْتَصِقُ: الْمُنْضَمُّ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ.
وَقَوْلُه: "يَدًا" أَرَادَ صَنِيعَةً وَمِنَّةً يَمْنَعونَ بِهَا قَرابَتِى، قَالَ (١٥٦):
تَكُنْ لَكَ فِى قَوْمِى يَد يَشْكُرونَها ... وَأَيْدى النَّدى فِى الصَّالحِين قُرُوضُ
قَوْلُهُ: "دَعْنى أَضْرِبْ عُنُقَ هَذا الْمُنافِقَ" (١٥٧) قَدْ ذَكَرْنا أَنَّ الْمُنافِقَ هُوَ (١٥٨) الَّذى يُظْهِرُ الإِيمان وَيَسْتُرُ الكُفْرَ، وَفِى اشْتِقاقِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أحَدُهَا: أَنَّهُ مُشْتَقُّ مِنَ النَّفَقِ، وَهُوَ: السَّرَبُ، مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (١٥٩) فَشُبِّهَ بِالَّذِى يدخلُ النَّفَقَ وَيَسْتَتِرُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُشْتَقٌ مِنْ نَافِقاءِ الْيَرْبوعِ، وَهُوَ جُحْرُهُ؛ لَأنَّ لَهُ جُحْرًا يُسَمَّى النَّافِقاءَ، وَآخَرَ يُقاَلُ لَهُ الْقاصِعَاءُ، فَإذا طُلِبَ مِنَ النّافِقاءِ قَصَّعَ فَخرَجَ مِنَ الْقاصِعاءِ، وَإِذا (١٦٠) طُلِبَ مِن القَاصِعَاءِ نَفَقَ فَخَرَجَ مِنَ النّافِقاءِ (١٦١)، وَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ يدخلُ فِى الكُفْرِ وَيَخْرُجُ مِنَ الِإسْلامِ مُرَاءَاةً لِلْكُفارِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الْكُفْرِ وَيَدْخُلُ فِى الإِسْلَام مُرَاءَاةً لِلْمُسْلِمين.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَقُّ مِنَ النَّافِقَاءِ بِمَعْنًى آخَرَ، يذَلِكَ أَنَّهُ يَحْفِر فِى الْأرْضِ حَتَّى إِذا كادَ أنْ يَبْلُغ ظاهِرَها أَرَقَّ التُّرابَ، فَإذا خَافَ خَرَقَ الْأرْضَ، وَبَقِى فِىْ ظَاهِرِه تُرَابٌ، وَظَاهِرُ جُحْرِهِ تُرَاب وَباطِنهُ حَفْر، وَالْمنافِق بَاطِنُهُ كُفْرٌ وَظَاهِرُهُ إِيمَانٌ (١٦٢).