وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ: "إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخُوّة الإسلام ومودته، لا يَبْقَيَنَّ في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر".
ويحتمل أن يكون بكاؤه فرحًا بقول النبيّ ﷺ هذا. والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ) أبو بكر ﵁ (هَلْ أنا وَمَالِي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ الله) قاله ﵁ مراعاة للأدب، وتواضعًا في حضرته ﷺ، يعني أن نفسه وماله كله للنبيّ ﷺ؛ لأنه أولى به من نفسه، فقد قال الله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]، وقال النبيّ ﷺ: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده الأعمش، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنعه؟.
[قلت]: إنما صحّحته؛ لما ذكره الإمام الذهبيّ ﵀ في "ميزان الاعتدال" في ترجمته، قال: وهو يدلّس، وربما دلّس عن ضعيف، ولا يُدْرَى به، فمتى قال: حدّثنا فلا كلام، ومتى قال: "عن" تطرّق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمّان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتّصال، انتهى (١).
وهذا الحديث من هذا النوع، فقد رواه عن أبي صالح السمّان، وهو ممن أكثر عنه، فقد ثبت عنه أنه قال: كتبت عن أبي صالح ألف حديث، كما ذكره الذهبيّ في "السير" (٢)، والله تعالى أعلم.