الكريهة التي توجد عادة في غيرها، كما حدثني أيضًا أنه لا يوجد بها الإزعاج والصخب الذي يوجد في المدن التي يكثر بها السكان، وأنه جرى بحث هذه المسألة مع بعض أهل المدينة، فكان مما قيل في تعليل ذلك اجتهادًا: إنه ربما كان من خصوصيتها وعظيم بركة أرضها امتصاص الأصوات المزعجة ليعم السكون والهدوء والطمأنينة، وممَّا حدثني أيضًا أن أرضها وجبالها يبدو للناظر إليها حسنًا، وجمالًا، وبهاءً لا يُرَى في غيرها.
ومنها: أن الإيمان يَأرِزُ إليها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَارِزُ (¬١) إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَارِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» (¬٢).
ومنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حثَّ على الصبر على لأوائها وشدتها، ووعد على ذلك أعظم الثواب.
روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ: أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الْحَرَّةِ فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَاوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَاوَائِهَا فَيَمُوتَ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا» (¬٣).