الأولى: أن الله تعالى جعل الرسول ﷺ بالخيار فى الحكم بينهم، فإن شاء حكم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، أى أن الأمر مفوض إليه ﷺ، فإن رأى – باجتهاده – مصلحة وحسن قبول منهم لحكمه حكم بينهم وإلا أعرض عنهم ولا ضرر عليه منهم.
الثانية: أن تقييد أمره بالحكم بينهم (بالقسط) يشعر بزيادة تنبيهه ﷺ على تحرى الصواب فيما يحكم به، وهو دليل على أن الله تعالى أذن له أن يحكم بينهم باجتهاده، لأنه لو كان الحكم بالوحي لم يكن لهذا القيد فائدة بالنسبة للرسول ﷺ لأنه لا يحكم إلا بالقسط فدل ذلك على عصمته فى اجتهاده فيما يحكم فيه.
وقوله سبحانه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ (١) .
ووجه الاستدلال بالآية: أمر رب العزة عباده بتحكيم رسول الله ﷺ فى كل شأن من شئون حياتهم، وينقادوا لحكمه انقياداً مطلقاً لا معارضة فيه، وإلا فلا يستحقوا وصف الإيمان.
وإذا كان حكم رسول الله ﷺ على ما سبق – من الآيات السابقة – يكون بوحى وباجتهاده؛ دل ذلك على عصمته فى اجتهاده، وإلا لما وجب التسليم لحكمه ﷺ تسليماً مطلقاً.
والآية ترد قول الذين شذوا بتجويز الخطأ عليه ﷺ فى اجتهاده، وقد أشار التاج السبكى إلى رد هذا القول الشاذ بقوله: "والصواب أن اجتهاده ﵊ لا يخطئ" (٢) .
وقوله ﷿: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾ (٣) .