فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ فِي شَأْنِ ذَلِكَ.
"وَأَنْزَلَ" اللَّهُ ﷿ "الْكِتَابَ" اسْمَ جِنْسٍ لِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ ﷿ عَلَى رُسُلِهِ, وَأَشْهَرُهَا الْأَرْبَعَةُ وَهِيَ: التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ, وَالْإِنْجِيلُ عَلَى عِيسَى فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ, وَالزَّبُورُ عَلَى دَاوُدَ الَّذِي كَانَ إِذَا قَرَأَهُ أَوَّبَتْ مَعَهُ الْجِبَالُ وَالطَّيْرُ, وَالْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. "وَالتِّبْيَانَا" مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُفَسَّرِ؛ لِأَنَّ التِّبْيَانَ مِنْهُ المتعبد بتلاوته والعمل بِهِ وَهُوَ الْكِتَابُ, وَمِنْهُ الْمُتَعَبَّدُ بِالْعَمَلِ بِهِ فَقَطْ وَهُوَ السُّنَّةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. "مِنْ أَجْلِهِ" أَيْ: مِنْ أَجْلِ التَّوْحِيدِ "وَفَرَّقَ الْفُرْقَانَا" إِذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٦] الْآيَاتِ. وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَصْلَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ, وَغَيْرِهَا فِي فَصْلِ بَيَانِ ضِدِّ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ, وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَكَلَّفَ اللَّهُ الرَّسُولَ الْمُجْتَبَى ... قِتَالَ مَنْ عَنْهُ تَوَلَّى وَأَبَى
حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ خَالِصًا لَهُ ... سِرًّا وَجَهْرًا دِقُّهُ وَجُلُّهُ
وَهَكَذَا أَمَّتُهُ قَدْ كُلِّفُوا ... بِذَا وَفِي نَصِّ الْكِتَابِ وُصِفُوا
"وَكَلَّفَ اللَّهُ" تَعَالَى أَيْ: أَمَرَ أَمْرَ افْتِرَاضٍ "الرَّسُولَ المجتبى" نبينا محمدًا ﷺ "قِتَالَ" مَفْعُولُ كَلَّفَ الثَّانِي "مَنْ عَنْهُ" عَنِ التَّوْحِيدِ "تَوَلَّى وَأَبَى" أَيْ: أَعْرَضَ وَامْتَنَعَ "حَتَّى" غَايَةً لِلْقِتَالِ "يَكُونَ الدِّينُ خَالِصًا لَهُ" أَيِ: لِلَّهِ ﷿ "سِرًّا وَجَهْرًا" لَا مُعَارِضَ لَهُ وَلَا مُشَاقَّ "دِقُّهُ وَجُلُّهُ" أَيْ: قَلِيلُ الْعِبَادَةِ وَكَثِيرُهَا, وَصَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا. قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٣] الْآيَةَ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النِّسَاءِ: ٨٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ