شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] الْآيَاتِ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النَّمْلِ: ٨٧] الْآيَاتِ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣] ولنسق ههنا حَدِيثَ الصُّورِ بِطُولِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ لِهَذِهِ الْآيَاتِ, وَلِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِمَّا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ, وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْأُخْرَى وَقَدْ رَوَيْنَا حَدِيثَ الصُّورِ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُطَوَّلَاتِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصْرِيُّ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلَقَ الصُّورَ, فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ شَاخِصًا بَصَرَهُ فِي الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الصُّورُ قَالَ: "الْقَرْنُ" قُلْتُ: كَيْفَ هُوَ قَالَ: "عَظِيمٌ, وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ عَظِمَ دَارَةٍ فِيهِ كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ, يَنْفُخُ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَخَاتٍ النَّفْخَةُ الْأُولَى نَفْخَةُ الْفَزَعِ وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ, يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى فَيَقُولُ انْفُخْ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الْفَزَعِ فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ, ويأمره فَيُطِيلُهَا وَيُدِيمُهَا وَلَا يَفْتُرُ وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [يس: ٤٩] فَيُسَيِّرُ اللَّهُ الْجِبَالَ فَتَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَتَكُونُ سَرَابًا ثُمَّ تَرْتَجُّ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا فَتَكُونُ كَالسَّفِينَةِ الْمَرْمِيَّةِ فِي الْبَحْرِ, تَضْرِبُهَا الْأَمْوَاجُ تَكْفَأُ بِأَهْلِهَا كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ فِي الْعَرْشِ تُرَجْرِجُهُ الرِّيَاحُ, وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النَّازِعَاتِ: ٦] فَيَمِيدُ النَّاسُ عَلَى ظَهْرِهَا وَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ وَتَشِيبُ الْوَلَدَانُ وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً مِنَ الْفَزَعِ حَتَّى تَأْتِيَ الْأَقْطَارَ, فَتَأْتِيهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا فَتَرْجِعُ, وَيُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ مَا لَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ