وَيُنَصِّرَانِهَا" ١ قَالَ الْحَسَنُ وَلَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قَالُوا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ آدَمَ ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ من ظهره "ذرياتهم" أَيْ: جَعَلَ نَسْلَهُمْ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٥] وَقَالَ: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٣] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أَيْ: أَوْجَدَهُمْ شَاهِدِينَ بِذَلِكَ قَائِلِينَ لَهُ حَالًا قَالَ وَالشَّهَادَةُ تَكُونُ بِالْقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ الْآيَةَ وَتَارَةً تَكُونُ حَالًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٧] أَيْ: حَالُهُمْ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لَا أَنَّهُمْ قَائِلُونَ ذَلِكَ وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [الْعَادِيَاتِ: ٧] كَمَا أَنَّ السُّؤَالَ تَارَةً يَكُونُ بِالْمَقَالِ وَتَارَةً يَكُونُ بِالْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] قَالُوا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا أَنْ جَعَلَ هَذَا الْإِشْهَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْرَاكِ فَلَوْ كَانَ قَدْ وَقَعَ هَذَا كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ لَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَذْكُرُهُ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ إِخْبَارُ الرَّسُولِ ﷺ بِهِ كَافٍ فِي وُجُودِهِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ وَهَذَا جُعِلَ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَيْهِمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا مِنَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أَيْ: لِئَلَّا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ أَيْ: عَنِ التَّوْحِيدِ ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ ٢ الْآيَةَ ا. هـ.
قُلْتُ: لَيْسَ بَيْنَ التَّفْسِيرَيْنِ مُنَافَاةٌ وَلَا مُضَادَّةٌ وَلَا مُعَارَضَةٌ, فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاثِيقَ كُلَّهَا ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. الْأَوَّلُ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ