تَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ؟ وَاللَّهِ لَا تَكُونُ مُؤْمِنًا حَقًّا مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ حَتَّى تُؤَدِّيَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَتَجْتَنِبَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَتَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ ثُمَّ تَخَافَ مَعَ هَذَا أَنْ لَا يَقْبَلَ اللَّهُ مِنْكَ.
وَوَصَفَ فُضَيْلٌ الْإِيمَانَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ, وَقَرَأَ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [الْبَيِّنَةِ: ٥] فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى دِينَ الْقَيِّمَةِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ, فَالْقَوْلُ الْإِقْرَارُ بِالتَّوْحِيدِ وَالشَّهَادَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْعَمَلُ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ, وَقَرَأَ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٥] وَقَالَ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشُّورَى: ١٣] فَالدِّينُ التَّصْدِيقُ بِالْعَمَلِ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى, وَكَمَا أَمَرَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ بِإِقَامَتِهِ. وَالتَّفَرُّقُ فِيهِ تَرْكُ الْعَمَلِ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ, قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١] فَالتَّوْبَةُ مِنَ الشِّرْكِ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَوْلًا وَعَمَلًا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَيْسَ الصَّلَاةُ وَلَا الزَّكَاةُ وَلَا شَيْءٌ مِنَ الْفَرَائِضِ مِنَ الْإِيمَانِ, افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَخِلَافًا لِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ, وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ كَمَا يَقُولُونَ لَمْ يُقَاتِلْ أَبُو بَكْرٍ أَهْلَ الرِّدَّةِ.
وَقَالَ فُضَيْلٌ: يَقُولُ أَهْلُ الْبِدَعِ: الْإِيمَانُ الْإِقْرَارُ بِلَا عَمَلٍ, وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ, وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ بِالْأَعْمَالِ وَلَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْإِيمَانِ. قَالَ: فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ الْأَثَرَ, وَرَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً؛ أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" ١, وَتَفْسِيرُ مَنْ يَقُولُ الْإِيمَانُ لَا يَتَفَاضَلُ يَقُولُ إِنَّ فَرَائِضَ