وَالتَّفَاضُلِ مَا لَا يُحْصَى: فَهَذَا قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي الصَّلَاةِ يَوَدُّ إِطَالَتَهَا مَا دَامَ عُمْرُهُ, وَآخَرُ يَرَى نَفْسَهُ فِي أَضْيَقِ سِجْنٍ يَوَدُّ انْقِضَاءَهَا فِي أَسْرَعِ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ, أَوْ يَوَدُّ الْخُرُوجَ مِنْهَا, بَلْ يَتَنَدَّمُ عَلَى الدُّخُولِ فِيهَا, وَهَذَا يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى وَجْهِ الْحُضُورِ وَالْمُرَاقَبَةِ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهُ, وَآخَرُ قَلْبُهُ فِي الْفَلَوَاتِ قَدْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الضَّيَعَاتُ وَتَفَرَّقَتْ بِهِ الطُّرُقَاتُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ مَا يَقُولُ, وَلَا مَا يَفْعَلُ وَلَا كَمْ صَلَّى. وَهَذَا تُرْفَعُ صَلَاتُهُ تَتَوَهَّجُ بِالنُّورِ حتى تخترق السموات إِلَى عَرْشِ الرَّحْمَنِ ﷿. وَهَذَا تَخْرُجُ مُظْلِمَةً لِظُلْمَةِ قَلْبِهِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا فَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا, وَهَذَا يُكْتَبُ لَهُ أَضْعَافُهَا وَأَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ, وَهَذَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا نِصْفَهَا إِلَّا رُبُعَهَا إِلَّا ثُمُنَهَا إِلَّا عُشْرَهَا, وَهَذَا يَحْضُرُهَا صُورَةً وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ. وَهَذَا مُنَافِقٌ يَأْتِيهَا رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. هَذَا وَالنَّاظِرُ إِلَيْهِمْ يَرَاهُمْ مُسْتَوِينَ فِي فِعْلِهَا, وَلَوْ كُشِفَ لَهُ الْحِجَابُ لَرَأَى مِنَ الْفُرْقَانِ مَا لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ الرَّقِيبُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ, الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ, وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ تَرَى الْأُمَّةَ مِنَ النَّاسِ يَخْرُجُونَ فِيهِ مَعَ إِمَامٍ وَاحِدٍ وَيُقَاتِلُونَ عَدُوًّا وَاحِدًا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ مُتَسَاوِينَ ظَاهِرًا فِي الْقُوَى وَالْعُدَدِ, فَهَذَا يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَعَصَبِيَّةً, وَهَذَا يُقَاتِلُ رِيَاءً وَسُمْعَةً لِتُعْلَمَ شَجَاعَتُهُ وَيُرَى مَكَانُهُ, وَهَذَا يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ لَيْسَ لَهُ هَمٌ غَيْرَهُ, وَهَذَا يُقَاتِلُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَذَا هُوَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا لِغَيْرِهِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ أَوْ نَصْبٍ أَوْ مَخْمَصَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ. وَهَكَذَا الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ والحج والأمر بالعروف وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَجَمِيعُ أَعْمَالِ الْإِيمَانِ, النَّاسُ فِيهَا عَلَى هَذَا التَّفَاوُتِ وَالتَّفَاضُلِ بِحَسَبِ مَا وَقَرَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ. وَعَلَى ذَلِكَ يَمُوتُونَ, وَعَلَيْهِ يُبْعَثُونَ, وَعَلَى قَدْرِهِ يَقِفُونَ فِي عَرَقِ الْمَوْقِفَ, وَعَلَى ذَلِكَ الْوَزْنِ وَالصُّحُفِ. وَعَلَى ذَلِكَ تُقَسَمُ الْأَنْوَارُ عَلَى الصِّرَاطِ. وَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ. وَمَنْ يُبْطِأُ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ. وَبِذَلِكَ يَتَسَابَقُونَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ. وَعَلَى حَسَبِهِ رَفْعُ دَرَجَاتِهِمْ. وَبِقَدْرِهِ تَكُونُ مَقَاعِدُهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ ﵎ فِي يَوْمِ الْمَزِيدِ. وَبِمِقْدَارِ ذَلِكَ مَمَالِكُهُمْ فِيهَا وَنَعِيمُهُمْ, وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
Kitab: Ma'arijul Qabul · Pengarang: حافظ بن أحمد حكمي
Baca Juz 3, halaman 1016
Rujukan halaman ini: معارج القبول بشرح سلم الوصول، ج 3، ص 1016 (SanadKitab #20854, hlm. urut 994)
Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.