الاغترار بها، والسكون إليها لقَطعهِ عنها، ولقد أحسن من قال (¬١):
اذكر الموتَ هادمَ اللذات … وتجهز لمصرَعٍ سوف يأتي (¬٢)
وقال آخر (¬٣):
واذكرِ المؤتَ تجده راحة … في اذكار (¬٤) الموتِ تقصير الأمل
وأجمعت الأمةُ على أنّ الموْتَ ليسَ لَهُ سنُّ معلومٌ، ولا زمنٌ معلومٌ، ولا مرض معلوم (¬٥)؛ وذلك ليكونَ المرءُ على أُهْبَةٍ من ذلك، مستعدًا لذلك، وكان بعضُ الصالحينَ يُنادي بالليل على سورِ المدينة: الرحيلَ، الرحيلَ، فلمّا تُوفي فقد صوتَه أميرُ تلك المدينة، فسألَ عنه، فقيل له: إنه قد (¬٦) مات فقال:
ما زالَ يلهجُ بالرحيل وذِكْرِهِ … حتى أناخَ ببابهِ الجمّالُ
فأصابَه مُتيقظًا ومُتشمّرًا (¬٧) … ذا أُهْبةٍ لم تُلههِ الآمالُ
وكان يزيدُ الرّقاشيُّ (¬٨) يقولُ لنفسه: ويْحَكَ يا يزيدُ مَنْ ذا (¬٩) يُصلي عنك بعد الموتِ؟ مَن ذا (¬١٠) يصومُ عنكَ بعد الموتِ؟ ذا (¬١١) من يترضى عنك ربَّكَ بعد الموتِ؟ ثم يقول: أيّها النّاسُ ألا تبكون، وتنوحونَ على أنفسِكم باقي حياتكم؟ مَنِ المَوْتُ موعدُهُ، والقبر بيتُهُ، والثَّرى فِراشُهُ، والدُودُ أنيسه، وهو