يقول: إن فلانًا ثَقُل (١) لسانُه فلا يعرف جيرانه ولا يكلم إخوانه (٢)، وكأني أنظرُ إليك تسمع الخطاب ولا تقدر على ردّ الجواب ثم تبكي ابنتُكَ كالأسيرةِ، وتتضرع وتقول: حبيبي أبي، مَنْ ليُتمي بعدك؟ و (¬٣) مَنْ لحاجتي؟ وأنت واللهِ تسمع الكلامَ ولا تقدرُ على رد الجواب.
وأنشدوا (¬٤):
فأقبلتِ الصُغرَى تُمرِّغُ خدَّها … على وجنتِي حِينًا وحِينًا على صَدْرِ
وتخمشُ خَديها وتَبْكِي بِحُرْقَةٍ … تنادي: أبي إني غُلِبتُ عَنِ الصبرِ
حبيبي أبي مَن لليتامى تركتَهم … كأفْراخِ زُغْبٍ فِي بُعِيدٍ مِن الوَكْرِ
فخيِّل لنفسك يا ابن آدمَ إذا أُخِذتَ من فراشِكَ إلى لوحِ مُغْتسَلك فغسلك الغاسِل، وأُلبستَ الأكفانَ وأوحشَ منك الأهلُ والجيرانُ، وبكت عليك الأصحابُ (¬٥)، والإخوانُ، وقال الغاسلُ: أين زوجته (¬٦) تحالله، وأين اليتامى تركتم أباكم فما ترونه من (¬٧) بعد هذا اليوم أبدًا.
وأنشدوا (¬٨):
ألا أيُّها المُغْرُورُ ما لَكَ تلعَبُ … تُؤمِّلُ آمالًا وموتُكَ أقْرَبُ
وتعلم أنّ الحِرْصَ بحرٌ مُبْعِدٌ … سفينتُهُ الدُّنيا فإيّاكَ تَعْطِبُ
[وتعلمُ أنّ الموْتَ ينقضُ مُسْرِعًا … عليك يقينًا طعمُهُ ليسَ يعْذُبُ] (¬٩)
كأنك تُوصي واليتامى تراهم … وأمُهم الثَّكْلَى تنوحُ وتَنْدُبُ
تَغَصُّ بحُزْنٍ ثُم تلطمُ وجَهَهَا … تراها (¬١٠) رجالٌ بعد ما هيَ تَحجِبُ