فأرادَ أبو عُبيدة أن يؤمَّ النَّاس، فقال عَمرو: إنَّما قدمتَ عليَّ مددًا وأنا الأميرُ، فأطاعَ (¬١) له بذلك أبو عُبيدة، فكان عمرو يصلِّي بالنَّاس، وسار حتى وطئ بلادَ بَلِيٍّ ودوَّخها (¬٢) حتى (¬٣) أتى إلى أقصى بلادِهم وبلادِ عُذْرةَ وبَلْقَيْن، ولقيَ في آخر ذلك جمعًا فحملَ عليهم المسلمون، فهربوا في البلادِ وتفرَّقُوا. كذا ذكره ابنُ سعد.
وعند الحاكمِ من حديثِ بُريدةَ: أنَّ عَمرو بن العاص أمرهم في تلكَ الغزوةِ أن لا يوقدوا نارًا، فأنكر ذلك عُمر، فقال أبو بكرٍ ﵄: دعهُ، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يبعثهُ علينا إلَّا لعلمهِ بالحربِ، فسكتَ عنهُ.
وعند ابن حبَّان: أنَّه منعهم أن يوقدوا نارًا، وأنَّهم لما هزَمُوا العدوَّ أرادوا أن يتبعوهُم فمنعهم، فلمَّا انصرفُوا ذكروا ذلك للنَّبيِّ ﷺ، فقال: كرهتُ أن آذنَ لهُم أن يوقدوا نارًا فيرى العدوُّ قلَّتهم، وكرهتُ أن يتبعوهُم فيكون لهم مددٌ، فحمدَ أمرهُ.
(قَالَ) عَمرو: (فَأَتَيْتُهُ) لمَّا قدمتُ (¬٤) من جيشِ ذاتِ السَّلاسلِ فقعدتُ بين يديهِ (فَقُلْتُ): يا رسول الله (أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ) بنُ الخطَّابِ. (فَعَدَّ رِجَالًا) قال عَمرو بن العاص: (فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ) أي: في الفضلِ. وعند البيهقيِّ: قال عَمرو: «فحدَّثت نفسي أنَّه لم يبعثْني على قومٍ فيهم أبو بكر وعمرُ إلَّا لمنزلةٍ لي عندهُ، فأتيتهُ حتَّى قعدتُ بينَ يديهِ فقلت: يا رسولَ الله، من أحبُّ النَّاسِ إليك؟ … » الحديث.
(٦٤) (ذَهَابُ جَرِيرٍ) أي: ابنِ عبدِ اللهِ البجليِّ (إِلَى) أهلِ (اليَمَنِ) ليقاتلهُم ويدعوهُم (¬٥) أن يقولوا: لا إلهَ إلَّا الله، والظَّاهر -كما في «الفتح» - أنَّ هذا البعث غير بعثهِ إلى هدمِ ذي الخَلَصة.