المسجد، بل ويقف أمامها يسترها بردائه حتى تقضي هي وطرها، ورد في الحديث: (فإما سألت رسول الله ﷺ وإما قال: «تشتهين تنظرين» ، وورد أيضا: حتى إذا مللت قال:
«حسبك؟» أي: أنه ﷺ كان يقف لها طويلا حتى يصل بها الحال إلى الملل، وهو شعور يأتي بعد الإشباع، وفي رواية عند مسلم: (ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف) «١» ، ولا يخفى من هذا الواقعة مدى دلال عائشة على النبي ﷺ.
ج- ومن عظيم التلطف أن يقيم النبي ﷺ عائشة وراءه في حال كون خدها على خده، ﷺ قالت عائشة ﵂: (فأقامني وراءه خدي على خده) ، ويظهر في كل ما ذكر، ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع الجم.
٣- رفيع مقام النبي ﷺ، ودليله ما قاله ابن حجر في [الفتح] : (وأما التفافه ﷺ بثوبه ففيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك) «٢» .
الفائدة الثانية:
ما كان عليه الصحابة من تعظيم جانب النبي ﷺ وحبه والأدب معه، يتبين ذلك من:
١- زجر أبي بكر الصديق ﵁ لابنته الحبيبة عائشة ﵂ لإذنها بالغناء في حضرة رسول الله ﷺ. وهذا يدل على كبير حبه للنبي ﷺ وتقديمه على كل أحد، ولو كانت ابنة حديثة السن، قالت عائشة: (فدخل أبو بكر فانتهرني) .
٢- دل كلام أبي بكر ﵁ أن من دواعي غضبه على ابنته أن هذا الغناء والزمر يحدث في بيت رسول الله ﷺ فكأنه ﵁، يحكم بحرمة الغناء واللهو، ولكن اشتدت الحرمة عنده؛ لأنها في بيت النبي ﷺ لذلك أقبل النبي ﷺ بوجهه وأوضح له سبب إقراره لهذا الغناء، وهو أنه يوم عيد، ورد عند البخاري: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» «٣» .
٣- أما الأدب، فانظر إلى قول عائشة ﵂: (فلما غفل غمزتهما فخرجتا) لماذا لم تأمرهما بالخروج بالقول؟ أعتقد أن الغمز كان لحكمة، فقد يكون بسبب حرصها على عدم إزعاج النبي ﷺ لقولها: (فلما غفل) ، وقد يرجع الغمز إلى أن عائشة أرادت أن تتوسط بين زوجها النبي ﷺ وأبيها، فلا تشعر النبي ﷺ أنها هي التي أمرت الجاريتين بالذهاب،