رحمة ربك ﴿عبده زكريا﴾ وفيه ثلاثة لُغَاتٍ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: هَذَا زَكَرِيَّا قَدْ جاء مقصوراً. وزكريا مَمْدُودًا. وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ زَكَرِيّ فَيَجُرُّونَهُ وَيُلْقُونَ الأَلِفَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خفيا﴾ وَالْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الدُّعَاءُ , وَإِنَّمَا أَخْفَاهُ لِئَلا يَقُولَ
النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يَسْأَلُ الْوَلَدَ عَلَى الْكِبَرِ.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مني﴾ أَيْ ضَعَفَ , وَإِنَّمَا خَصَّ الْعَظْمَ لأَنَّهُ الأَصْلُ فِي التَّرْكِيبِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: شَكَا ذَهَابَ أضراسه. ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ أَيِ انْتَشَرَ الشَّيْبُ فِيهِ كَمَا يَنْتَشِرُ شُعَاعُ النار في الحطب. والمراد " بدعائك ": أي بدعائي إياك ﴿رب شقيا﴾ أَيْ لَمْ أَكُنْ أَتْعَبُ بِالدُّعَاءِ ثُمَّ أُخَيَّبُ , لأَنَّكَ قَدْ عَوَّدْتَنِي الإِجَابَةَ.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ يَلُونَهُ فِي النَّسَبِ , وَهُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَصَبَةُ , فَخَافَ أَنْ يَتَوَلَّوْا مَالَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةِ الْمِيرَاثِ , وَأَحَبَّ أَنْ يَتَوَلاهُ وَلَدُهُ. وَقَرَأَ عُثْمَانُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي سُرَيْجٍ , عَنِ الْكِسَائِيِّ: " خَفَّتِ الْمَوَالِي " بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ عَلَى مَعْنَى: قَلَّتْ. فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ خَافَ عَلَى عِلْمِهِ وَنُبُوَّتِهِ أَلا يُوَرَّثَا فَيَمُوتُ العلم.
قوله تعالى: ﴿وكانت امرأتي عاقرا﴾ وَالْعَاقِرُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الولد , وإنما قال عاقرا وَلَمْ يَقُلْ عَاقِرَةً لأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذَا الْوَصْفِ لِلْمُؤَنَّثِ , وَالْمُذَكَّرُ كَالْمُسْتَعَارِ , فَأُجْرِيَ مَجْرَى طَالِقٍ وَحَائِضٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ سِنُّهُ يَوْمَئِذٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً وَامْرَأَتُهُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
﴿فهب لي من لدنك﴾ من عندك ﴿وليا﴾ أَيْ وَلَدًا صَالِحًا يَتَوَّلانِي. وَسَبَبُ سُؤَالِهِ: أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْفَاكِهَةَ تَأْتِي مَرْيَمَ لا فِي حِينِهَا طَمِعَ فِي الْوَلَدِ عَلَى الْكِبَرِ فَسَأَلَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ المراد البنوة من الكل