قاضياً من القضاة استدلَّ بقوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] على أنه تعالى مرئيٌّ، فاعترض عليه ملاَّح فقال: إنه ليس اللقاء بمعنى الرؤية، لأن أحدهما يُستعمل حيث لا يستعمل الآخر، بل يثبت أحدهما وينفي الآخر، ولا يتناقض الكلام، وقال: فلو كان اللقاء بمعنى الرؤية، لم يختلف الحال فيه بالمؤمنين والمنافقين، وقد قال الله ﷿: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، فيجب أن يدل على أن المنافقين يرونه.
فقال له القاضي: من أين لك هذا؟ فقال: من رجلٍ بالبصرة يقال له أبو علي بن عبد الوهاب الجُبَّائي. فقال: لعن الله ذلك الرجل، فقد بثَّ الاعتزال في الدنيا، حتى سلَّط الملاَّحين على القضاة.
ومما يتعلَّقون به: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قالوا: بيَّن الله تعالى أن الكفار يوم القيامة محجوبون عن رؤية الله تعالى، وهذا يدل على أن المؤمنين لا يُحجبون، وفي ذلك ما يقوله.
والأصل في الجواب عن ذلك: أن هذا استدلالٌ بدليل الخطاب، وذلك لا يُعتمدُ في فروع الفقه، فكيف في أصول الدين؟
وبعد: فليس في ظاهر الآية ما يدلُّ علي أن الكفار يوم القيامة يحجبون عن رؤية الله تعالى، لأنه تعالى (١) قال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، ولم يقل: عن رؤية (٢) ربهم. ومتى قالوا: المرادُ بقوله: عن ربهم: عن رؤية ربهم، قلنا: ليس كذلك، بل المراد: عن ثواب ربهم. لأنكم إذا عدلتم عن الظاهر، فلستم بالتأويل أولى منا فنحمله على وجه يُوافِقُ دلالة العقل.
ومما يتعلقون به: إجماع الصحابة. قالوا: أتَّفقت الصحابة على أنه تعالى يُرى، وإجماعهم حجة، فيجب القضاء بأنه تعالى مرئيٌّ.