ما قالها، لأنها صريح المُحال المعلوم إحالته بضرورة العقل، بحيثُ لا يجوزُ أن يذهب إلى ذلك أحدٌ من غُلاة الجبرية، والذي كذبها إما قليل العقل، وإما قليل الحياء، فليتيقَّن السيد الفرق بينها وبين دواوين الإسلام.
نعم، في " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: " أن الله قدَّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " (١). هذا لفظ الحديث، وليس فيه أن الله خلق المعاصي في العُصاة قبل أن يخلق العصاة، ومن لم يميِّزْ بين العبارتين؛ فليس من العقلاء البتة.
الحديث الخامس: حديثُ موسى ﵇ مع مَلَكِ الموت ﵇ (٢) وقد جعله السيدُ من الأحاديث التي لا يمكن تأويلها، لِمَا ورد فيه من لطمِ موسى لملك الموت ﵉ حين جاء يقبض روحه الشريفة.
وعن هذا الحديث جوابان: معارَضَةٌ، وتحقيقٌ.
أما المعارضة: فإنه قد ورد في القرآن العظيم أن موسى أخذ برأسِ أخيه يجرُّه إليه، وذلك من غير ذنبٍ عَلِمَهُ من أخيه ﵇، ولا دفع مضرَّةٍ خافها على نفسه، وأخوه هارون نبي كريم بنصِّ القرآن وإجماع أهل (٣) الإسلام، ولا شك أن حرمة الأنبياء مثل حرمة الملائكة، لأن من استخفَّ بنبيٍّ كفر.
وقد بطش موسى ﵇ بأخيه بطشاً شديداً، ولهذا قال هارونُ ﵇ يتلطَّف لموسى ويستعطفه: ابن أُمِّ لا تأخُذْ بلحيتي، ولا برأسي، ولا تُشْمِتْ بيَ الأعداء.
فإن قلت: إنما فعل ذلك، لأنه ظن أنه هارون رضيَ بما فعل قومه من عبادة العجل.