قالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ ﵀: والجَمعُ بيْنَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ في كَلمةٍ واحِدةٍ بِدعَةٌ، ويَلزَمُ إنْ وقَعَ، وقالَ الشَّافِعيُّ: هوَ مُباحٌ ليسَ بِمَمنوعٍ، وقَالَ بعضُ أهلِ الظِّاهرِ: لا يَقعُ أَصلًا، وبَعضُ المُبتَدِعةِ يَذهَبُ إلى أنَّهُ يقَعُ بهِ واحِدةٌ.
ودَليلُنا على أنَّهُ بِدعةٌ قولُه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآيَة، فأمَرَ بالطَّلاقِ للعدَّةِ، وقرَنَه بمَا دلَّ به على أنَّ المُرادَ بهِ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، أي: نَدمًا، فيكونُ للمُطلِّقِ طريقٌ إلى تلافِيهِ بالارتِجاعِ، ثمَّ وصَفَه بما يَقتضِي الإثمَ، وهوَ قولُهُ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، فدلَّ على ما قُلناهُ.
وحديثُ الحسَنِ عنِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ قالَ: «يا رسولَ اللهِ أَرأيْتَ لَو أُطلِّقُها ثلاثًا؟ قالَ: «إذًا بانَتْ مِنكَ، وعَصَيتَ رَبَّكَ» (¬١)، وحديثُ محمودَ بنِ لَبيدٍ الأنصَاريِّ قالَ: أُخبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ عنْ رَجلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثَ تَطليقاتٍ جَمْعًا، فقامَ غَضباناً فقالَ: «تَلاعبٌ بِكتابِ اللهِ وأنَا بينَ أَظهُرِكمْ؟» (¬٢). وهذا كالنَّصِ، ولأنَّهُ بيَّنَ هذا الغضَبَ لِهذا الفعلِ الَّذي هوَ الجَمعُ بينَ الثلاثِ في كلمةٍ واحدةٍ، ولأنَّهُ سبَبٌ يَحرُمُ البُضعُ بِفعلِهِ مِنْ غيرِ