فكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَتأوَّلُ في العَفوِ عنهم ما أمَرَه اللهُ ﷾ به حتى أذِنَ له فيهم، فلمَّا غَزا رَسولُ اللهِ ﷺ بَدرًا فقتَلَ اللهُ ﷾ بها مَنْ قتَلَ من صَناديدِ الكُفارِ وسادةِ قُريشٍ، فقَفَل رَسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه مَنصورينَ غانِمينَ معهم أُسارى من صَناديدِ الكُفارِ وسادةِ قُريشٍ، قالَ ابنُ أُبيٍّ، ابنُ سَلولَ ومَن معه من المُشرِكينَ عَبدةِ الأوثانِ: هذا أمْرٌ قد تَوجَّه. فبايَعوا رَسولَ اللهِ ﷺ على الإسلامِ فأسلَموا (¬١).
وقالَ علِيُّ بنُ أبي طَلحةَ عن ابنِ عَباسٍ: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] [الحجر: ٩٤] ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ [التغابن: ١٤] ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] ونَحوُ هذا في القُرآنِ ممَّا أمَرَ اللهُ ﷾ به المُؤمِنينَ بالعَفوِ والصَّفحِ عن المُشرِكينَ؛ فإنَّه نَسخَ ذلك كلَّه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥] وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فنَسَخ هذا عَفوَه عن المُشرِكينَ.
وكذلك رَوى الإمامُ أحمدُ وغيرُه عن قَتادةَ قالَ: أمَرَ اللهُ ﷾ نَبيَّه ﷺ بأنْ يَعفُوَ عنهم ويَصفَحَ حتى يأتِيَ اللهُ بأمرِه وقَضائِه، ثم