والظاهِرُ أنَّ الذي حَداه إلى ذلك تَعليلُ الأَصحابِ بكَونِه مَحجورًا عليه في تَصرفاتِه، أو لكَونِه مُحتاجًا إلى الثَّوابِ، وتَصرفُه في هذه مَحضُ مَصلحةٍ من غيرِ ضَررٍ؛ لأنَّه إنْ عاشَ لم يَذهبْ من مالِه شَيءٌ، ولا يَلزمُ من ذلك أنَّ الوَصيةَ على أَولادِه لا تَصحُّ، اللَّهمَّ إلا أنْ يَكونَ في المَسألةِ نَقلٌ خاصٌّ (¬١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ الرُّشدُ في المُوصي، فتَصحُّ الوَصيةُ من الأَبِ السَّفيهِ أو غيرِه ممَّن له وِلايةٌ على أَولادِه، ويَتعيَّنُ من عيَّنَه السَّفيهُ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وكَلامُه -أي: النَّوويِّ تَبَعًا للرافِعيِّ- يُفهِمُ أنَّ السَّفيهَ إذا صَحَّحنا وَصيتَه بالمالِ -وهو الأصَحُّ- أنَّ له تَعيينَ شَخصٍ لتَنفيذِها.
قالَ السُّبكيُّ: ولم أرَ فيه إلا ما اقتَضاه هذا الكَلامُ، وهو مُحتمَلٌ، ومَنعُه أيضًا مُحتمَلٌ، فيليه الحاكِمُ أو وَليُّه. اه.
ويُقوِّي الاحتِمالَ الثانِيَ قَولُ ابنِ الرِّفعةِ: يَنبَغي إِضافةُ الرُّشدِ إلى الشَّرطَينِ المَذكورَينِ (¬٢).
وقالَ الدَّميريُّ: قالَ الشَّيخُ: الأَبُ السَّفيهُ ليسَ له أنْ يُوصيَ؛ لأنَّه لا وِلايةَ له على وَلدِه، وهذا لا شَكَّ فيه، وليسَ خاصًّا بالطِّفلِ، بل المَجنونُ كذلك، وكذلك السَّفيهُ حيثُ كانَت الوِلايةُ عليه للأبِ (¬٣).