أو في العُدولِ عنهُما إلى غيرِهِما، وليسَ في الاستِشارةِ دَليلٌ على تَرجيحِ أحَدِ الأمرينِ ولا مَيلٍ إلى أحِدِهما، على أنها إنَّما ذكَرَتْ ذلكَ للنبيِّ ﷺ لتَرجعَ إلى قولِه ورَأيِه، وقد أشارَ عليها بتَركِهما؛ لِمَا ذكَرَ مِنْ عَيبِهما، فجَرَى ذلكَ مَجرَى رَدِّها لهُما وتَصريحِها بمَنعِهما.
ومِن وجهٍ آخَرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قد سبَقَهما بخِطبتِها تَعريضًا بقَولِه لها ما ذكَرْنا، فكانَتْ خِطبتُه بعدَهُما مَبنيَّةً على الخِطبةِ السَّابقةِ لهُما، بخِلافِ ما نحنُ فيهِ (¬١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الجَديدِ -وهو المَذهبُ عِندَهم- والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنهُ لا تَحرمُ خِطبتُها بالرِّضا حتَّى يُصرِّحَ وليُّها بالإذنِ أو تُصرِّحَ هيَ؛ لأنَّ الأصلَ إباحةُ الخِطبةِ ما لم تَتحقَّقْ شُروطُ الحَظرِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ ﵂ لأسامةَ ﵁ بعدَ أنْ أخبَرَتْه أنَّ مُعاويةَ وأبا الجَهمِ ﵄ خَطَباها، ولم يَسألْها: هل ركَنْتِ إلى أحَدِهما أو رَضِيتِ بهِ أم لا؟ فدَلَّ على أنَّ الحُكمَ لا يَختلفُ بذلكَ، ولأنَّ الظاهِرَ مِنْ حالِها أنها ما جاءَتْ تَستَشيرُه إلَّا وقد رَضيَتْ بذلكَ وركَنَتْ إليهِ (¬٢).