وذُكِر عن غير واحدٍ أنَّه كان شاطرًا (¬١) في بدء أمره، وأنَّ سبب توبته أنه وجد رُقْعَة فيها اسمُ اللَّه ﷿ في أتُونِ حمَّامٍ، فرفعها، ورفعَ طَرْفَه إلى السّماء، وقال: سيّدي! اسمُك هاهنا ملقًى! ثم ذَهَبَ إلى عطّار فاشترى بدرهم غاليه (¬٢) وضمَّخ تلك الرُّقْعَة منها، ووضعها حيث لا تُنال، فأحْيَى اللَّهُ قلبَه، وألهمه رشدَه، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة (¬٣).
ومن كلامه: مَنْ أحبَّ الدنيا فليتهيَّأ للذُّلِّ. وكان يأكلُ الخبزَ وحدَهُ، فقيل له: بماذا تأتدم؟ فقال: أذكر العافيةَ فأجعلها أدْمًا.
وكان لا يلبَسُ نعلًا بل يمشي حافيًا، طرق يومًا بابًا، فقيل: من؟ فقال: بِشر الحافي. فقالت جارية أما وجَدَ دانقين (¬٤) يشتري له بها نعلًا ويستريح من هذا الاسم؟ قالوا: وكان سببُ تركه النعلَ: أنَّه جاء إلى حَذَّاء فطلب منه شِراكًا (¬٥) لنعله، فقال له: ما أكثرَ كلفتكم (¬٦) على الناس؟ فطرح النَّعلَ من يده، وخَلَعَ الأخرى من رجله، وحلَفَ لا يلبَسُ نعلًا أبدًا (¬٧).
قال ابن خلكان (¬٨): وكانت وفاته يومَ عاشوراء، وقيل: في رمضان ببغداد، وقيل: بمرو. قلت: الصحيح ببغداد في هذه السنة، وقيل: في سنة ستٍّ وعشرين، والأول أصحُّ، واللَّه أعلم.
وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد على (¬٩) بَكْرَةِ أبيهم، فأُخرج من بعد صلاة الفجر، فلم يستقرَّ في قبره إلا بعدَ العَتَمَةِ؛ وكان عليّ بن المدينيّ وغيرُه من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة: هذا واللَّه شرفُ الدنيا قبل شَرَفِ الآخرة (¬١٠).
ورُوي: أنَّ الجِنَّ كانت تنوحُ عليه في بيته الذي كان يسكن فيه. وأنَّه رآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ فقال: غفَرَ لي ولكلِّ من شهد جنازتي، ولكل مَن أحبَّني إلى يوم القيامة (¬١١).