وروى الخطيب (¬١): أنَّ رجلًا استعدى المهتدي على خصمه (¬٢)، فحكم بينهما بالعَدْلِ، فأنشأ الرجلُ يقولُ:
حَكَّمْتُمُوه فقضى بينكُمْ (¬٣) … أبْلَجُ مثلُ القَمَرِ الزَّاهرِ
لا يقبَلُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ … ولا يُبَالي غَبَنَ الخاسرِ
فقال له المهتدي بالله: أمَّا أنت أيُّها الرَّجُلُ فأحسَنَ اللّهُ مقالتك، وأمَّا أنا فإنِّي ما جلست حتَّى قرأت قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قال: فبكَى الناس حوله، فما رؤي أكثر باكيًا من ذلك اليوم.
وقال بعضُهم: سَرَدَ (¬٤) المهتدي الصَّوْمَ منذ ولي إلى أن قتل، ﵀.
وكان يحب الاقتداء بما سلكه عمرُ بن عبد العزيز الأموي في أيام خلافته، من الورع والتقشّف وكثرة العبادة وشدة الاحتياط (¬٥).
وقال أحمد بن سعيد الأمويّ: كنا جلوسًا بمكَّة وعندي جماعة يبحثون في النَّحو وأشعار العرب، إذ وقف علينا رجلٌ نظنه مجنونًا، فأنشأ يقول (¬٦):
أمَا تَسْتَحُونَ اللّهَ يا مَعْدِنَ الحِلْم (¬٧) … شُغِلْتُمْ بذا والنَّاسُ في أعظمِ الشغْلِ
إمامُكُم أضْحَى قتيلًا مجدَّلًا (¬٨) … وقد أصبحَ الإسلامُ مفترِقَ الشَّمْلِ
وأنتمْ على الأشعارِ والنَّحوِ عُكَّفٌ (¬٩) … تصيحونَ بالأصواتِ في أحسنِ السُّبْلِ (¬١٠)