أنعى إليكَ إشاراتِ العقولِ معًا … لم يبقَ منهنَّ إلَّا دارسُ العَلَمِ (¬١)
أنعى وحُبِّكَ أخلاقًا لطائفةٍ … كانتْ مطاياهمُ من مُكْمدِ الكظمِ
مضَى الجميعُ فلا عَيْنٌ ولا أثرٌ … مضيَّ عادٍ وفُقْدانَ الأُلى إرَمِ
وخَلَّفوا معشرًا يحذونَ لبستهمْ … أعْمَى من البُهْم بلْ أعمى من النَّعَم (¬٢)
قالوا: ولما أُخرج الحلاج من المنزل الذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد:
طَلَبْتُ المُسْتقرَّ بكلِّ أرضٍ … فَلَمْ أرَ لي بأَرْضٍ مستقرَّا
أطَعْتُ مطامعي فَاسْتَعْبَدتني … وَلَوْ أنِّي قَنِعْتُ لعشتُ حُرَّا (¬٣)
وقيل: إنه قالها حين قُدّم إلى الجذع ليصلب عليه، والمشهور ما ذكرناه.
ثم مشى (¬٤) وهو يتبختر في مشيته، وفي رجليه ثلاثة عشَرَ قيدًا، وجعل ينشد:
نديمي غيْرُ مَنْسوبٍ … إلى شيءٍ من الحَيْفِ
سَقَاني مِثْلَ ما يَشْرَ … بُ فِعْلَ الضَّيْفِ بالضَّيْفِ
فلَمَّا دارتِ الخمرُ … دَعا بالنِّطْعِ والسَّيْفِ
كذا منْ يشربُ الرَّاحَ … مَعَ التِّنين في الصَّيْفِ (¬٥)
ثم قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]، ثم ما نطق بعد ذلك حتى فُعِلَ به ما فعل (¬٦).
قالوا: ثم قُدَّمَ فَضُرِبَ ألفَ سَوْط، ثم قُطعت يداه ورِجلاه وهو في ذلك [كله] (¬٧) ساكت لا ينطق بكلمة، ولم يتغيَّر لونه، ويقال: إنه جعل يقول مع كل سَوْط: أحَدٌ أحد (¬٨).