وفي هذا الشهر قدم الحُجَّاج من خراسان إلى بغداد ليسيروا إلى الحج، فبلغهم عيث الأعراب [في الأرض] (¬١) بالفساد، وأنه لا قاهر (¬٢) لهم ولا ناظر ينظر في أمورهم، فرجعوا إلى بلادهم، ولم يحجَّ من بلاد المشرق أحدٌ في هذه السنة.
وفي يوم عرفة ولد لبهاء الدولة ابنان توأمان، فمات أحدهما بعد سمبع سنين، وبقي الآخر حتى قام بالأمر من بعد أبيه، ولقب شرف الدولة.
وحجَّ المصريون أيضًا في هذه السنة بالناس.
وممن توفي فيها من الأعيان:
ابن جنّي (¬٣): أبو الفتح، عثمان بن جنِّي المَوْصلي، النَّحوي اللُّغوي، صاحب التصانيف الفائقة المتداولة في النحو واللغة، وكان أبوه جني عبدًا روميًا مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزْدي المَوْصلي، ومن شعره في ذلك قوله:
فإنْ أُصْبِحْ بلا نَسَبِ … فَعِلْمي في الوَرَى نسبي
على أنِّي أؤول إلى … قُرُومٍ سادةٍ نُجُبِ
قياصِرَةٍ إذا نطقُوا … أرمَّ الدَّهْر في الخُطَبِ (¬٤)
أولاكَ دعا النبيُّ لهم … كفى شَرَفًا دعاءُ نبي
وقد أقام ببغداد، ودرَّس بها العلم إلى أن توفي ليلة الجمعة لليلتين خلتا من صفر منها.
قال القاضي ابن خلِّكان: ويقال إنه كان أعور، وله في ذلك:
صدودُكَ عنِّي ولا ذَنْبَ لي … يَدُلُّ على نيَّةٍ فاسِدَه
فقد -وحياتِك- ممَّا بكيتُ … خشيتُ على عينيَ الواحدَة
ولولا مخافةُ أن لا أراك … لما كان في تَرْكها فائِدَة
ويقال: إن هذه الأبيات لغيره.