أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" (¬١)، وهو الذي جهر بالقرآن بين ظهراني قريش، وتلا عليهم سورة الرحمن، حتى أوسعوه ضرباً، وأدموه، وهمَّ أن يفعل ذلك في اليوم الثاني. وقد كانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ﵁.
قوله: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد): الوصية: هي اللفظ المؤكد، المحتفى به.
قوله: (التي عليها خاتمه) يصح فتح التاء (خاتَم)، أو كسرها (خاتِم). والمقصود بالخاتم: الحلقة المستديرة التي يكون عليها فص، تمهر به المكاتيب، والمواثيق. فقد جرت عادة الكبراء، والأمراء، أن يختموا المواثيق والعهود بخواتيمهم التي يكون فيها نقش أسمائهم، كما كان في خاتم نبينا ﷺ نقش (محمد رسول الله)، فيختم به للتوثيق، ولم يزل هذا موجوداً إلى عهد قريب.
وليس مراد ابن مسعود، ﵁، أن ثّم كتاباً خاصاً في قرطاس، قد ختمه النبي ﷺ، وإنما أراد ما يأتي بعد ذلك، قال: (فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]): وإنما قال ابن مسعود ﵁ هذه المقولة، لما بلغه كلام ابن عباس ﵄: "إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه" (¬٢)؛ وذلك لأن النبي ﷺ، في مرض موته، قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً، لا تضلوا بعده" فتشاغلوا، واختلفوا عنده، فقال: "قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع" (¬٣)، فقال ابن عباس ذلك. لكن ابن مسعود ﵁ كان أفقه من ابن عباس ﵄ في هذه المسألة، فبيّن أنه لم يبق شيء من الدين لم يُبيِّن، ولم يبق شيء يُوصى به، إلا وقد أوصي به، وأن النبي ﷺ لو أوصى بكتاب، لأوصى بما في كتاب الله، فلا موجب للأسى، والأسف.
مناسبة الأثر للباب:
تضمنه لتحريم الشرك: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، المستلزم للتوحيد.