ثم إنه عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر -والله أعلم- أنَّ مذهب الشافعيَّة يقارب مذهب الحنفيَّة في السعة؛ وذلك أنهم -كما تقدم- قالوا بطهارة الحيوانات بالدبغ سوى الكلب، وإنما زاد عليهم الحنفيَّة بطهارة جلد الكلب، وكذلك في مسألة الضبة، فإن الحنفيَّة قالوا بالإباحة مطلقا، والشافعيَّة أقرب المذاهب إليهم فإنهم قالوا بإباحة ضبة الفضَّة للحاجة مطلقا، وقالوا بإباحة ضبة الفضَّة اليسيرة للزينة.
وأمَّا المالكيَّة والحنابلة فهم متقاربون في الضيق، فانفرد المالكيَّة بمنع الضبة مطلقا حتى لو كانت من يسير الفضَّة كما تقدَّم، وانفرد الحنابلة بقولهم: يحرم الإناء من النحاس ونحوه إذا طُلِي (¬١) بالذَّهب أو الفضَّة (¬٢)، وقال الجمهور: بالجواز (¬٣)، وتقدَّم أنَّ جلود الميتات لا تطهر بالدبغ مطلقا عند المالكيَّة والحنابلة، غير أنَّ الحنابلة ضيَّقوا في جواز استعمالها في اليابسات أكثر من المالكيَّة؛ إذ اشترطوا