أُخْبِرُكَ: أَمَّا التَّوْفِيقُ؛ فَكَانَ مِنَ الله ﷾ وَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَمُسْتَحِقَّهُ -! وَإِنِّي لَمَّا أَرَدْتُ تَعَلَّمَ الْعِلْم؛ جَعَلْتُ الْعُلُومَ كُلَّهَا نُصْبَ عَيْنَيَّ - فَنًّا فَنًّا -، وَتَفَكَّرْتُ عَاقِبَتَهُ وَمَوْقِعَ نَفْسِهِ؛ فَقُلْتُ:
آخُذُ فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ نَظَرْتُ؛ فَإِذَا عَاقِبَتُهُ عَاقِبَةُ سَوْءٍ، وَنَفْعُهُ قَلِيلٌ، وَإِذَا كَمَلَ الإِنْسَانُ وَاحْتِيجَ إِلَيْهِ؛ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ جِهَارًا، وَرُمِيَ بِكُلِّ سُوءٍ، وَيُقَالُ: صَاحِبُ هَوَى!
ثُمَّ تَتَبَّعْتُ أَمْرَ الأَدَبِ وَالنَّحْوِ؛ فَإِذَا عَاقِبَةُ أَمْرِهِ: صَبِيٌّ يَجْلِسُ عِنْدِي - مَعَ صَبِيِّ يَطْلُبَانِ النَّحْوَ وَالأَدَبَ!
ثُمَّ تَتَبَّعْتُ الشَّعْرَ؛ فَوَجَدْتُ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ: الْمَدْحَ وَالْهِجَاءَ، وَقَوْلَ الْهُجْرِ وَالْكَذِب!
ثُمَّ تَفَكَّرْتُ فِي الْقُرْآنِ؛ فَقُلْتُ: إِذَا بَلَغْتُ الْغَايَةَ؛ اجْتَمَعَ عَلَيَّ أَحْدَاثُ يَقْرَأُونَ عَلَيَّ! وَالْكَلَامُ فِي الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ صَعْبٌ!
ثُمَّ قُلْتُ: أَطْلُبُ الْحَدِيثَ؛ فَقُلْتُ: إِذَا جَمَعْتُ مِنْهُ الْكَثِيرَ؛ أَحْتَاجُ إِلَى عُمُرِ طَوِيل حَتَّى يَحْتَاجَ النَّاسُ إِلَيَّ!
ثُمَّ قُلْتُ: الْفِقْهُ! فَكُلَّمَا قَلَّبْتُهُ أَوْ أَدَرْتُهُ؛ لَمْ يَزْدَدْ إِلَّا جَلَالَةً، وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ عَيْبًا، وَرَأَيْتُ - أَوَّلًا - أَنَّ الْجُلُوسَ يَكُونُ مَعَ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَالْبُصَرَاءِ! وَالتَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِهِمْ! وَرَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَإِقَامَةُ الدِّينِ وَالتَّعَبُدُ؛ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ! وَطَلَبُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا بِهِ؛ فَاشْتَغَلْتُ بِهِ! (¬١)