والصدقة بياناً للجملة التي في الكتاب، لأنه لو صلّى لنفسه لم يدلّ على أنه بيان لقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾، ولو تصدّق بصدقة، لم يدلّ على أنها مرادة بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾. وإنما وجه البيان ما يُجْمِع الناس على أنة من المكتوبات، لأن ما يفعله في نفسه لم يثبت أنه فعله فرضاً، فلا يكون فيه دلالة على أنه فعله بياناً" (١).
وعندي أن هذا لا يكفي لحل الإشكال إذ لا يمكن توقّف فهم الأحكام على الإجماع. بل ما أجمعوا على أنه بيان كعدد ركعات الصلاة فهلا بيان بلا شك، وما أجمعوا على أنه ليس بياناً كالتثليث في غسل اليدين، فليس هو بياناً بلا شك. وأما ما لم يجمعوا فيه بنفي ولا إثبات فقول أبي يعلى يقتضي منع كونه بياناً، مع أنه اتّفق على أنه يمكن تعليق البيان بالفعل بقول من النبي ﷺ كما تقدم في الطريق الأولى، والنص على الحكم كالإجماع عليه، بل هو أولى.
فلا يزال الإشكال قائماً، والقاعدة التي ذكرها الأصوليون مع قوله ﷺ: "صلّوا كما ... وخذوا عني ... " تقتضي أنه بيان، فيكون واجباً ويكون الأصل في ما فعله النبي ﷺ في الصلاة والحج، أنه للوجوب.
وهذه النتيجة مخالفة للواقع. بل إن أكثر ما فعله ﷺ في هاتين العبادتين هو مستحبّ وليس بواجب.
وسلك ابن دقيق العيد طريقاً آخر لحل ذلك الإشكال، فقال: "ما ثبت استمرار فعل النبي ﷺ عليه دائماً، دخل تحت الأمر كما هو في قوله ﷺ لمالك بن الحويرث: "صلّوا كما رأيتموني أصلي" وكان واجباً. وبعض ذلك مقطوع به -أي مقطوع باستمرار فعله له- وما لم يقم دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر باتباع الصلاة على صفتها، لا يُجْزَم بتناول الأمر له" (٢).
وفي هذا المسلك ما فيه، أتراه ﷺ في الصلوات التي صلاها أثناء وفود جماعة مالك بن الحويرث، ترك ما كان يواظب عليه من المستحبات في الأقوال والأفعال