أما وجه تولدها من مسألة العلة القاصرة، فذلك أن الحنفية عندما أبطلوا التعليل بالعلة القاصرة عللوا ذلك بأن فائدة العلة إنما هي التوسل بها إلى معرفة الحكم، وهذا غير متحقق في القاصرة؛ لأنها لا تفيد حكمًا في الفرع ولا تفيد حكمًا في الأصل، فقيل لهم: نسلم لكم أنها لا تفيد حكمًا في الفرع فلمَ قلتم: إنها لا تفيد حكمًا في الأصل فقالوا: لأن الحكم في الأصل ثبت بالنص لا بالعلة، فقيل لهم: لا نسلم ذلك بل الحكم ثابت بها لا بالنص (¬١) ومن ثَم كثر الأخذ والرد.
حقيقة القول في العلة القاصرة:
والخلاف في صحة العلة القاصرة لفظي كما هو في هذه المسألة، ذكر ذلك الغزالي (¬٢) والزنجاني (¬٣) وابن قدامة المقدسي (¬٤) وابن الهمام (¬٥) وأطال النفس في بيان ذلك الأستاذ محمد شلبي في كتابه «تعليل الأحكام» ومما قال في ذلك: «قديمًا تنازع العلماء في جواز التعليل بالعلة القاصرة وطال الأخذ والرد بين الحنفية والشافعية على وجه أخص جيلًا بعد جيل، حتى خُيّل للناظر في كلامهم أنه دفاع عن عقيدة أو تنازع في حقيقة، ويعلم اللَّه أن لا عقيدة ولا حقيقة وإنما هو خلاف في الألفاظ، ومن أنصف منهم وتجرد عن العصبية قال: