محاربة النبي ﷺ للأصنام
في صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! بأي شيء أرسلك الله؟ قال: بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً).
سأله: بم أرسلك؟ فذكر من جملة ما ذكر كسر الأوثان.
وكان النبي ﵊ يوصي أصحابه بذلك، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته).
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: إن كانت ملونة - أي: إن كانت لوحة ملونة- فَطَمْسُها بوضع لون آخر يزيل معالمها، وإن كانت تمثالاً فإنه يقطع رأسه.
ثم قال: وظاهر الحديث عام، سواء أكانت تعبد أم لا.
وهناك رواية أخرى لحديث أبي الهياج قال: قال لي علي ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) وعند أحمد بلفظ: (وأن أطمس كل صنم) وفي رواية أخرى -أيضاً- عند أحمد: (وأن تلطخ كل صنم).
وجاء الوعيد الشديد لمن نصب الأصنام والأوثان، كما حدث للطاغية عمرو بن لحي الخزاعي إمام الشرك والوثنية في قريش، فقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري في المناقب في باب قصة خزاعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار -يعني: يجر أمعاءه في النار- وكان أول من سيب السوائب) قال ابن كثير: عمرو بن لحي أحد رءوس خزاعة، وكان أول من غير دين إبراهيم ﵇ فأدخل الأصنام إلى الحجاز.
فالأدلة كثيرة -كما قلنا- من السنة القولية والسنة العملية، وسرايا النبي ﷺ التي أرسلها لكسر هذه الأصنام تؤكد ذلك، ومعروف أن العزى واللات ومناة الثالثة هي أعظم أصنام العرب، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، ومع أنها كانت معظمة جداً عند العرب إلا أنه ﷺ لم يكترث ولم يخش من أن تجتمع عليه العرب بأجمعها، فجعلها كلها جذاذاً ولم يدع منها شيئاً.
وروى البخاري في مغازيه قال: قال جرير بن عبد الله ﵁: (قال لي رسول الله ﷺ: ألا تريحني من ذي الخلصة -أي: أن الرسول ﵊ كان حزيناً من وجود هذا الصنم الذي يعبد من دون الله-؟ قال: فنفرت في مائة وخمسين راكباً فكسرناه) إلى آخر الحديث.
وثقيف سألت رسول الله ﷺ أن يدع لهم صنمهم اللات لا يهدمها ثلاث سنين، وألحوا على الرسول ﵊ في أن يؤجل هدم الصنم ثلاث سنين، فأبى، فما برحوا يسألونه ويأبى عليهم، فألحوا على أن يؤجل تحطيمها سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهراً واحداً فأبى أن يدعها، فبعث رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ﵄ يهدمانها، فهدماها في مشهد عظيم.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في فقه هذه القصة في زاد المعاد: ومنها هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتاً للطواغيت، وهدمها أحب إلى الله ورسوله ﷺ، وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير.
وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله، ويشرك بأربابها مع الله، فإنه لا يحل إبقاؤها في الإسلام، ويجب هدمها.
فإذاً رسولنا ﷺ -أيضاً- هو محطم الأوثان والتماثيل.