تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)
قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦].
يخبر تعالى عما قدره وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدارين ووراثة الأرض فيهما، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥]، وأخبر تعالى أن هذا الأمر وهذا القضاء السابق مذكور في الكتب الشرعية والقدرية، وهو كائن لا محالة، ولهذا قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] والزبور: هو الكتب التي أنزلت على الأنبياء، فهو اسم جنس لكل ما زبر -أي: كتب- من الكتب التي أنزلت على الأنبياء، وهو -أيضاً- اسم الكتاب الذي أنزل على داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قولع تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) المراد من الذكر هاهنا: أم الكتاب الذي كتب الله فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة، والمعنى أن الله تعالى كتب في التوراة والإنجيل والقرآن وفي الصحف التي أنزلت على الأنبياء جميعاً من بعدما سبقت كتابة ذلك في أم الكتاب في اللوح المحفوظ (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، من كل الأمم المؤمنة بالله تعالى، فإنه تعالى يكفل لهم السعادة والمجد والحكم والفتح، ويوليهم على أمم الأرض بالحق والعدل، وذلك في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقال ﷿: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] فهذه سنة ماضية، وكون بعض الناس يظنون أن أمر الدين أو أمر الإسلام يكون دائماً في انحسار، وأن هذا الدين يمكن أن يأتي يوم يستأصل ولا يبقى منه باقية هو أقبح الظن بالله ﵎، وهذا هو عين ما سماه الله ﷿ في سورة الفتح ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢]، ظننتم أنه يستأصل هذا الدين، ولا يبقى منه شيء، فهذا أسوأ الظن بالله الذي يتنزه الله ﷿ عنه، وإنما الأيام دول، وإنما الله ﷿ يبتلي عباده بعضهم ببعض، كما قال ﷿: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]، فالله ﷿ قادر بكلمة (كن) أن يدمر ما على الأرض من الكفر، لكنه يشاء ﷾ أن يبتلي العباد؛ لأن هذه دار الامتحان ودار البلاء، فكم من أمم أقوى من هذه الأمم التي تسيطر على العالم اليوم ضاعت وصارت في خبر (كان) ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم:٩٨]، كم توالت أمم وقوى على ظهر هذه الأرض ثم اندثروا وكانوا في خبر (كان)، فهذه سنة الله ﷿، فلابد من أن يمكن الله لدينه، لابد من أن تكون العاقبة في النهاية للتقوى، كما قال الله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، ويقول ﷿: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥].
وإذا تدبرنا آيات الله ﵎ في السابقين من المجرمين الهالكين لأيقنا بهذه الحقيقة الكونية التي هي كائنة قبل أن تخلق هذه الدنيا، وهي أن العاقبة تكون للتقوى، يقول الله ﷿: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] هذا في الدنيا، أما في الآخرة فيورثهم أرض الجنة وما فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم.