سيد الاستغفار
وعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك وأبوء لك بذنبى، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) هذا أحسن ذكر، لأنه يشمل التوحيد بجميع أقسامه: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الأفعال؛ لأن الله تعالى واحد في ذاته، واحد في أسمائه وصفاته، واحد في أفعاله، والعبد يقر بين يدي الله ﷿ في صباحه ومسائه بهذا الحديث أنه عبد مذنب، وأنه راجع وصائر إليه، ومعترف بذنبه ومقر به، ومعتقد أن أحداً لا يقدر على مغفرة الذنوب إلا الله.
تصور أن عبداً يقر لله تعالى في صباحه ومسائه بهذه التقريرات، ويقدم هذه الإيمانيات والعقائد الصحيحة من واقع هذا الدعاء، ويتبرأ من ذنبه بطلب التوبة والمغفرة من الله ﷿، فسماه النبي ﷺ لأجل هذا كله سيد الاستغفار.
قال: (اللهم أنت ربي) أي: لا رب لي سواك، ولا إله لي غيرك، وأنت رب جميع المخلوقين، لا رب لهم غيرك، أنت الذي ربيتهم وخلقتهم ورزقتهم، وهديتهم وسويتهم، وقدرت عليهم، ولا يفعل أحد من خلقك شيء من هذا، فأنت متفرد في خلقك، وفي ربوبيتك، ومن ادعى أنه رب غيرك أو إله غيرك فإنما كل هؤلاء أرباب وآلهة كذابون أفاكون؛ لأنه لا رب على الحقيقة إلا الله ﷿؛ لأنه رب جميع الخلائق، وهو رب جميع المخلوقات، لا رب لجميع المخلوقات غير الله ﷿، فهنا قدم الإيمان بأن الله تعالى هو الرب لا رب سواه، ثم قال: (لا إله إلا أنت)، فأثبت صفة الإلهية لله ﷿، والإله هو المألوه أو المتأله الذي يستحق الإلهية وحده، والعبادة وحده، لا يصرف شيء منها لغير الله ﷿، فمن صرف شيئاً من العبادة الواجبة لله ﷿ لغير الله فكأنما اتخذ مع الله تعالى إلهاً غيره فيكون مشركاً بذلك، فكما أثبت النبي ﵊ في هذا الدعاء الربوبية لله ﷿ أثبت له كذلك الإلهية، فهو رب وحده وإله وحده، لا رب سواه ولا إله غيره، تصور أن عبداً يستيقظ من نومه بعد صلاة الفجر فيقدم بين يدي يومه هذا الدعاء، وهذا التقرير، قال: (خلقتني وأنا عبدك)، والخلق صفة للربوبية، فكما أقر بالربوبية بجميع صفاتها إجمالاً فصل بعد ذلك ﵊، قال: (أنت خلقتني)، والخلق صفة للرب ﵎، فبعد أن قال: (اللهم أنت ربي) قال: (أنت خلقتني).
ثم قال: (وأنا عبدك)، فالعبادة تصرف للإله الحق وهو الله ﷾، ولما كانت العبادة من خصائص الإلهية جمع النبي ﵊ بين صفة الخلق وصفة العبادة، فالخلق من لوازم الربوبية والعبادة من لوازم الإلهية، فاعترف في هذا إجمالاً في الأول ثم فصل بعد ذلك، قال: (اللهم أنت ربي) أي: أنت خلقتني.
(لا إله إلا أنت) وأنا عبدك، يعني: لا أصرف شيئاً من العبادة لغيرك؛ لأنك الإله الحق المستحق لهذه العبادة.
قال: (وأنا على عهدك) يعني: لا أحيد عن العهد الأول والميثاق الإيماني الذي أخذه الله ﷿ على العباد أن يعبدوه وأن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً، وإقرارهم في الميثاق الأعظم في كتاب الله ﷿؛ لأنهم قد آمنوا به إلهاً ورباً، والله ﷿ أشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:١٧٢] لأنه قد يكون منهم يوم القيامة منكر لهذا الميثاق وهذا العهد، فالنبي ﵊ يذكر هذا ابتداءً من عنده فيقول: (وأنا على عهدك ووعدك) أي: أنا على العهد والميثاق والوعد الذي أخذه الله ﷿ على عباده، ولكنه ﵊ قال: (ما استطعت).
والطاعة والأمر يختلفان باختلاف الأشخاص، وباختلاف الأحوال والظروف؛ ولذلك قال ﵊: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه).
يقول ابن تيمية وغيره من أهل العلم: إن الأمر بالطاعة يختلف بحسب أحوال الناس وظروفهم، فالله ﷿ أمرنا إذا صلينا أن نقوم في صلاتنا، فالقيام من واجبات الصلاة، أو من فرائض الصلاة، وتبطل صلاة الفرض إذا صلى الرجل قاعداً وهو قادر على القيام، لأن القيام واجب وفرض، وهو صلى جالساً بغير عذر.
لكن إذا كان لديه العذر الذي يمنعه من القيام صلى جالساً ولا حرج عليه، وثوابه كثواب من صلى قائماً، بخلاف النافلة فللرجل القادر على أن يصلي النافلة قائماً أن يصليها قاعداً ولكن أجره على النصف من أجر صلاة القائم، وهنا كلام طويل قاله ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (الأذكار)، مرده إلى أن من الألفاظ المترادفة: العهد والوعد، قال: (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) يعني: آتي من الطاعات ما استطعت؛ لأن الطاعة أحياناً تكون فوق طاقة الإنسان؛ ولذلك فإن جرير بن عبد الله البجلي قال: (بايعت النبي