معنى الفطرة
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] الفطرة خلقة الإنسان، والفطرة بدء خلق الإنسان، والله فاطر ﷾ بمعنى مبتدئ الخلق، لم يكن قبل ذلك خلق فأوجده الله، وفطره وابتدعه وخلقه ﷾.
أما فطرة الإنسان فيعبر بها عن الإسلام، ويعبر بها عن خصال الإسلام، ويعبر بهذه الكلمة (الفطرة) عن أصل الخلقة والدين الذي عليه الإنسان الذي أوجده الله ﷿ في قلبه، فقلبه السليم فطر على حب دين الله ﷿، إلا أن يدخل فيه شيء يوجهه شمالاً أو يميناً، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، -وفي رواية: على الملة- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)، فهنا في هذا الحديث أن كل مولود يولد على الفطرة، لو أنه ترك وحده بدون تدخل من الأبوين، لتوجه إلى دين رب العالمين ﷾؛ لأن في قلبه ما يدعوه إلى ذلك، فالله ﷿ خلق العباد قبل أن يوجدهم في هذه الدنيا، وأخذ عليهم وهم في ظهر آدم الميثاق، فهو سبحانه استخرج ذرية آدم من ظهره كأمثال الذر، ثم أشهدهم على أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.
إذاً: يوجد في قلب كل إنسان التعرف على ربه سبحانه وتوحيد ربه ﷾، ولم يترك الله ﷿ العباد لذلك فقط، وإنما بعث إليهم الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب؛ ليهدي عباده، وجعل في قلوبهم ما يدلهم على ربهم ﷾، وأنشأهم حين يولدون على هذه الفطرة: معرفة الله وتوحيده ﷾، فإذا بالعبد ينمو على ذلك، وإذا بأبويه يتدخلان في ذلك، فقال لنا النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وفي رواية: (أو يشركانه) يعني: الإنسان يولد على الفطرة، ثم الأم تعلم الولد أو الأب يعلم الولد النصرانية أو اليهودية أو غير ذلك من الملل الكفرية، لكن لو ترك على ما في داخل قلبه لصار إلى طريق الإسلام، كما ذكر لنا النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة).
وضرب لنا مثلاً فقال: (كما تنتج البهيمة جمعاء) أي: الناقة والبقرة والشاة كل هذه الأنعام خلقها الله ﷿ مكتملة الخلق، (هل تحسون فيها من جدعاء؟) يعني: هل يوجد من البقر أو من الغنم أو من الإبل ما تكون إذنها مشقوقة؟ لا يحدث إلا أن تكون أو نادرة من النوادر؛ ليرينا الله ﷿ آياته، فكذلك الله ﷿ خلق الإنسان مكتملاً، وخلق في قلبه ما يدعوه إلى توحيد ربه سبحانه، ولكن إذا تدخل البشر أضلوا هذا الإنسان.
وجاء في حديث النبي ﷺ كما في صحيح مسلم قال النبي ﷺ: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، قال ﷿: كل مال نحلته عبداً فهو حلال).
أي: هذه الأموال التي يرزقكم الله سبحانه هي حلال لكم، طالما أنها حلال وطالما أنكم سعيتم فيها من وجه حلال فهي مباحة لكم، ثم قال: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم) يعني: على الدين وعلى الفطرة وعلى توحيد الله على الإسلام العظيم، ثم قال: (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم).
(فاجتالتهم) يعني: استخفوا بهم وأذهبوهم عن دينهم، وجالوا معهم في الباطل، فالشيطان لا يترك الإنسان بل يستخف به شيئاً فشيئاً حتى تعتريه الخفة والطيش والتهور ويبتعد عن الله سبحانه وعن طريق الهداية: وفي رواية: (فاختالتهم الشياطين).
وكأنها بمعنى الحبس عن دين الله ﷾، والصد عن دين الله سبحانه، ثم قال في هذا الحديث: (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، قال الله سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة:١٠٣]).
فربنا سبحانه لم يحرم الواصلة ولا الحامي ولم يحرم الذي حرمه أهل الجاهلية من أشياء، فيقول سبحانه: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ)) بحروا أي: شقوا أذنها، فالناقة إذا أتت بأنثى وبعدها أنثى فجزاء لها ألا نذبحها ولا نأكلها، بل نتركها معززة مكرمة، هذه البحيرة، أما السائبة فهي التي ولدت وولدها كبر حتى ولد فيتركونها ولا يذبحونها.
من الذي حرم عليكم أن تأكلوها؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة:١٠٣]، فيكذبون على الله سبحانه! وقال هنا: إن الذي أمرهم بذلك الشياطين، اجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.