أخذ الله الميثاق على الأنبياء قبله أن يؤمنوا به ﷺ
من تشريفه له على الأنبياء قوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]، يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: لم يبعث الله نبياً من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﵌: لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه، والنبي نفسه يأخذ عهده على قومه: لئن بعث محمد وأنتم أحياء لابد أن تؤمنوا به وتنصروه ﵌، وفي الحديث: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، لم تكن له أي رخصة في الاستقلال، بل لابد أن يتبع النبي ﷺ، حتى عيسى ﵇ إذا نزل في آخر الزمان فإنه ينزل تابعاً لشريعة محمد ﵌، ولا يستأنف شرعاً جديداً.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] موسى ﵇ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] قيل: هو محمد ﵌.
ومن ذلك أيضاً: قوله ﵎: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، لا شك أن هذه الآية تفيد فضل النبي ﵌ على هؤلاء الرسل الذين هم أولو العزم وأصحاب الصلاح، من وجهين: إحداهما: أن الله ﷾ عبر في جانبهم بكلمة (وصى) فقال: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا)) وقال: ((وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) إشارة إلى أن ما أوتيه النبيون قبله ﵊ لم يعد أن يكون وصايا تختص بقليل من الناس لا تجاوزهم إلى غيرهم، أما في جانبه ﵌ فقد قال: ((وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)) فعبر في جانبه بـ (أوحينا) تعظيماً لشأنه، كأنه هو المخصوص بالوحي، إشارة إلى أن تخصيصه ﷺ بإتيانه القرآن العظيم تشريف يفوق ما أوتي النبيون من معجزات خارقة تنتهي بانتهاء زمنها، وكتب فيها تشريعات ووصايا تختص بقليل من الناس لا تجاوزهم إلى غيرهم، ولذلك قال ﵊: (ما من نبي إلا أوتي ما على مثله آمن البشر، وكان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) وسبق أن شرحنا معنى هذا الحديث.